رسم أمين عام ​حزب الله​ ​الشيخ نعيم قاسم​ في مقابلته "استراتيجية" مختلفة تماماً تتعلق بالسلاح وطبيعته ودوره، بما يُعيد ترتيب الخطاب العام حول حزب الله والعلاقة مع الدولة والعدو في آن واحد، فما ورد في كلامه حول السلاح يستدعي التوقف عنده وقراءته بواقعية لما له من تأثير على مجريات الأمور، الآن وفي المستقبل.

لا يمكن الحديث عن نقطة بارزة في كلام الشيخ قاسم بل نقاط عديدة، سنحاول الإضاءة على بعضها، فالأمين العام للحزب أعاد السلاح إلى الهدف الأساسي الذي نشأ من اجله وهو الدفاع، بعد أن انتقل بمرحلة سابقة باتجاه "تبني" خطط وأهداف هجومية، وبغض النظر عما إذا كانت العودة إلى الدفاع سببها "عدم القدرة على تنفيذ الهجوم"، أو قناعة بأن السلاح متى تخلى عن واجباته الدفاعية وانتقل للهجوم أصبح حملاً ثقيلاً بأبعاد محلية، اقليمية ودولية، فإن الحزب أكد من خلال كلام أمينه العام للداخل والخارج أنه بموقع الدفاع عن ​لبنان​، وبحال استلزمت اسرائيل باتفاق وقف إطلاق النار والقرار 1701 فهذا كفيل بضمان أمنها الذي تتذرع به لاحتلال لبنان.

جزم قاسم أن الحزب لن يُبادر للحرب، وهذا يعني أنه لن يرد على الاعتداءات الإسرائيلية ما لم تتحول إلى حرب شاملة واجتياح بري، وهو ما يمكن للحزب مواجهته حتماً، إلى جانب حتمية قدرته على إيلام العدو، هكذا قال قاسم الذي لم يتحدث هذه المرة عن التعافي والقدرات والأسلحة، وغير ذلك من مواضيع قد تُؤدي إلى رفع معنويات الجمهور لكنها لا تنفع على المستوى الاستراتيجي، بل تطرق إلى قرار حزبه بالتصدي لأي حرب اسرائيلية ولو من خلال العصا، وفي ذلك تأكيد على "المبدأ".

في هاتين النقطتين قدم حزب الله للدولة اللبنانية أوراقاً للتفاوض، فرئيس الجمهورية جوزاف عون سبق وأن تحدث أمام أكثر من موفد دولي حول وجود أكثر من حل لمسألة السلاح لا تتضمن سحبه ولا تؤدي إلى صدام مع أحد، فبالنسبة لرئيس الجمهورية يبقى الحل الأمثل هو في الوصول إلى هدنة طويلة الأمد على الحدود، ستجعل السلاح بلا فائدة كونه لن يتحرك لانتفاء الأسباب، ولن يُطور أو ينقل بسبب قرار الجيش منع نقل السلاح على كامل الأراضي اللبنانية، وبالتالي سيفقد السلاح أسباب وجوده، وعوامل بقائه خلال سنوات قليلة، وفي خطاب قاسم الأخير خطوة إيجابية باتجاه رئيس الجمهورية، حتى ولو كانت كل الطروحات الإيجابية مرتبطة بقرار العدو الإسرائيلي، فالمطلوب منه أن يلتزم بما عليه أولا قبل الغوص لما يمكن للبنان فعله بمسألة السلاح التي أكد قاسم على لبنانيتها.

أشار الشيخ نعيم قاسم إلى أن سلاح الحزب مرتبط بوجود "عدو محتل"، هذا يضع الإطار الذي يبرر الاحتفاظ به كقيمة قابلة للنقاش مع تغير الحالة السياسية، فإذا انتهى الاحتلال أو تبلور وضع جديد على الحدود، فإن السلاح يصبح أكثر قابلية للنقاش، وهنا أيضاً يشكل الكلام فرصة أمام الدولة لتبني مواقف تفاوضية أكثر صلابة وقوة لرفض المزيد من التنازلات قبل التزام إسرائيل بما عليها.

صحيح أن الرسائل الإيجابية في كلام قاسم كثيرة، بخصوص السلاح، تجاه رئيس الجمهورية وبما يتعلق بالعلاقة مع رئيس الحكومة، والأطراف الداخلية، وحتى المملكة العربية السعودية، ولكن إن أرادت الحكومة استثمار هذا الخطاب، فعليها أن تترجمه إلى مبادرات عملية داخلية، تُعيد بناء موقف لبناني جامع يمكّن لبنان من مواجهة التحديات فمن دون ذلك، لن ينتج الخطاب تغييراً جوهرياً في الواقع الأمني والسياسي.