وَقعُ الحَقيقَةِ هَذِهِ، تَرفَعُ الى "الحَضرَةِ"، وَلَيسَ أيَّ حَضرَةٍ. قُلّ: تِلكَ التي في غَوصِها ما هوَ أعمَقُ مِنَ التَأمُّلِ: الشِعرُ. في هَذِهِ الكَينونَةِ إستِقلالٌ مِن حُبٍّ. ألَيسَ البابا لاوُنُ الرابِعُ عَشَرُ مَن قالَ لِلطُلَّابِ في يوبيلِ عالَمِ التَربِيَةِ: "مِن دونِ الصَمتِ، والإصغاءِ، والصَلاةِ، حَتَّى النُّجومُ تَنطَفِئُ"؟.
لبنانُ المَعشوقُ... عاشِقٌ!
وَقعُ "الحَضرَةِ"، التي مِنهُ وَفيهِ، تَرفَعُ حَقيقَتَهُ هَذِهِ الى عُلى الشَرارَةِ التي، مِنَ اللهِ وَإلَيهِ، تَسطَعُ فَتَغلِبُ الفَراغَ والقَلقَ، الَإضطِرابَ والعُنفَ، التَسَلُّطَ. ألَيسَ القِدِّيسُ أغوسطينُسُ الُلبنانِيُّ مَن عَلَّمَ أنَّ "صَوتَ كَلامِنا يَقرَعُ الآذانَ، أمَّا المُعَلِّمُ الحَقيقِيُّ فَهوَ في الدّاخِلِ"، مُضيفاً أنَّ "الَذين لا يُعَلِّمُهُم الرّوحُ في الدّاخِلِ، يَنقَضونَ مِن دونِ أن يَتَعَلَّموا شَيئًاً" ((In Epistolam Ioannis ad Parthos Tractatus 3,13؟.
لبنانُ العاشِقُ، عاشِقٌ مِن ذاكَ الداخِلِ الَذي يَجعَلُكَ تَصرُخُ مِلءَ المَدى: "أنا في قَلبِ اللهِ"، لا "إنَّ اللهَ في قَلبيَ" وَتَكتَفيَ... على ما هَتَفَ النَبِيُّ-جُبرانُ.
أجَل! لبنانُ إقرارٌ. مِن قِمَمِهِ الصَلبَةِ الى سَماواتِ الصَلابَةِ التي تَعلوها.
في هَذا التَفاعُلِ الخَلَّاقِ، لَيسَ مِن إكتِفاءِ كِفايَةٍ بَينَ سَوِيَّتَينِ: قِمَمٌ/سَماواتٌ، بَل إعتِناقٌ مُتَبادَلٌ لِعُمقِ الأعماقِ، التي مِنها كُلُّ الإشرافِ على كُلِّ الوجودِ. هوَ خَلقٌ تَنَبَّأ بِهِ أشِعياءُ، فأرساهُ ذُروَةَ البُلوغِ، وَرَصَفَهُ رُؤيَةً بِالبُرهانِ: "يُزهِرُ إِزهَاراً وَيَبتَهِجُ إبتِهاجاً وَيُرَنِّمُ. قَد أُتيتَ مَجدَ لبنانَ. (...). هُمُ يَرَونَ مَجدَ الرَّبِّ، بَهاءَ إِلَهِنا. قوُّوا الأَيادِيَ الْمُستَرخِيَةَ، وَالرُّكَبَ الواهِنَةَ شَدِّدوها. قُولُوا لِخائِفي القُلُوبِ: تَقَوُّوا لاَ تَخافوا (...). حِينَئِذٍ تَتَفَتَّحُ عُيونُ الْعُمْيِ، وَآذَانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّحُ. وحِينَئِذٍ يَقفِزُ الأَعرَجُ كَالإِيَّلِ وَيَهتِفُ لِسانُ الأبكَمِ، فَقَد تفَجَّرَت فِي البَرِّيَّةِ مِيَاهٌ، وَأَنهارٌ فِي الْقَفرِ. الأرضُ الحامِيَةُ تَنقَلِبُ غَديراً، وَالمَعْطَشَةُ يَنَابِيعَ مِياهٍ (...). وَتَكُونُ هُنَاكَ سِكَّةٌ وَطَرِيقٌ يُقَالُ لَهَا: «الطَّرِيقُ الْمُقَدَّسَةُ». لاَ يَعبُرُ فِيهَا نَجِسٌ، (...). مَن سَلَكَ هَذا الطَّرِيقَ حَتَّى الْجُهَّالُ، لاَ يَضِلُّ" (اشِعياءُ 35/2-8).
أجَل! إقرارُ لبنانَ. مِنَ السَماواتِ الصَلبَةِ الى قِمَمِهِ الصَلابَةِ تَوقُ التَحَرُّقِ يِنقَلِبُ حِصنَ الفِعلِ الحَقِّ، إذِ الشُهوقُ هوَ الدافِعُ والشَفيعُ، المَجالُ والشُروعُ. يا لِتِلكَ الهارمونيا الموَحِّدَةِ الدَهشَةَ بِالإنصافِ، بِالخَلاصِ!.
مَعمودِيَّةُ التَعَمُّدِ
العاشِقُ لبنانُ، مَوعِدٌ مَعَ العِشقِ؟ بَل تَمَوعُدٌ بَينَ الأزَلِ والسَرمَدِ، مُنفَتِحٌ على تَعَمُّدِ التَوقِ المُعطي. العَطِيَّةِ. قُلّ أكثَرُ: هوَ مَعمودِيَّةُ التَعَمُّدِ، مَعمودِيَّةُ تَعَهُّدِ كُلِّ الوجودِ. لا بِالصُدفَةِ. بَل بِاليَقينِ المُعينِ. بِاليَقينِ الحاسِمِ.
في هَذا التَمَوعُدِ مَعَ العِشقِ الإلَهيِّ، لبنانُ تَعَمُّدُ النِعمَةِ الغادِيَةِ مَعمودِيَّةً-إنخِراطاً-غَوصاً-بِالنَقاوَةِ-لِلحياةِ. مِنَ الطَلَبِ-النِعمَةِ الى الإنفِتاحِ-الجَدوى.
في هَذا التَمَوعُدِ مَعَ العِشقِ الإلَهيِّ، لبنانُ إستِواءٌ عَلى تَكامُلِ القِمَمِ الشَغوفَةِ بِهِ، وَلَهُ، وَمِنهُ. أينَ هِيَ مِنهُ شَغَفاً بِإنسانِيَّةٍ لا تُثَمَّنُ... لِأنَّها تَعشَقُ؟
حَسبُهُ، لبنانُ، أنَّهُ رَوعَةُ إنتِزاعِ التَعَجُّبِ مِن أعمَقِ التَعَجُّبِ. رَوعَةُ التَعَمُّقِ بِالصَلاةِ مِنَ الإستِنارَةِ بِالإصغاءِ الى الصَمتِ المُنيرِ. أنَّهُ "الحَضرَةُ"-الشِعرُ في عِناياتِ الَّلانِهاياتِ، لِأنَّ الَّلانِهايَةَ بِحَدِّ ذاتِها، لا أكثَرَ ما يَليقُ بِهِ فَحَسبَ، بَل أعمَقُ ما تَبلُغُهُ الأعماقُ وَيَليقُ بِهِ!.
حَسبُهُ، لبنانُ، أنَّهُ الروحُ-الداخِلُ، طُموحُ كُلِّ الوجودِ في تِمَوعُدِهِ مَعَ ذاتِهِ وَمَعَ الأُلوهَةِ المُفيضَةِ لَهُ، بِوَجهِ الإنوِجادِ في التَنافُقِ بَينَ أدرانَ مُدَّعِيَةٍ التَفَوُّقَ في المَكاناتِ... وَأروَعُ أضاليلِها أنَّها مُصَدِّقَةٌ لِذاتِيَّاتِها في إنطِفاءاتِ الدَنَسِ، وَوَلَعِ السُقوطِ في الهاويَاتِ!.























































