لَيسَ لبنانُ مُعضِلَةَ التاريخِ، وَلا هوَ مُعضِلَةَ الجُغرافيا. قُلّ: هوَ أوسَعُ مِنهُما مَعاً، مَع أنَّهُما، مَعاً، جَعَلا مِنهُ عُصارَةِ إكتِمالٍ يَتَقَطَّرُ على إمتِدادِ عوالِمَ الحَياةِ وَصَخبِها. هوَ ضابِطُها على حَقيقَتِها. هوَ لوغوسُها، على ما تَعني كَلِمَةُ "لوغوسُ" الإغريقِيَّةُ الأصلُ، بِمِعناها الرواقيِّ-الفينيقيِّ-الُلبنانيِّ: العَقلُ الزَمَنيُّ المَكانيُّ، مَنبَعُ كُلِّ دَفقٍ حَيٍّ.
لَكِنَّ لبنان مُعضِلَةٌ. مُعضِلَةُ غَباءِ بَعضِ ذَويهِ، مَن إنتَهى بِهِم المَطافُ مُعتَلينَ سُلُطاتٍ مَدَنِيَّةٍ وَدينِيَّةٍ، وَهُمُ غَيرُ أهلٍ لا لإستِحقاقِهِ فَحَسبَ، بَل حَتَّى لِلصُدَفِ التي جَعَلَتهُمُ يَصِلونَ الى حَيثُ هُمُ. هَؤلاءُ مُجرِمونَ بِحَقِّ لبنانَ. والإجرامُ قَبلَ أن يَكونَ لإدانَةٍ هوَ فِعلُ نَفاذٍ، بِوَعيٍ وَنَصبٍ وَخُبثٍ، الى قَلبِ الظُلمَةِ القاتِلَةِ لِكُلِّ إنتِظامِ حَياةٍ. هَؤلاءُ دَفَعوا عُمقَ الجَوهَرِ الُلبنانِيِّ الى شُمولِيَّةِ إلغاءِ بَقائِيَّةِ لبنانَ وَتَسابَقوا في تَلاغيهِ، عُنوَةً، مِن حَيثُ هوَ شُمولِيَّةُ وجودٍ صَميمِيٍّ.
أجَل! مُعضِلَةُ لبنانَ هي ذاكَ الغَباءُ الإجرامِيُّ لِهَؤلاءِ الَذينَ صَيَّرَتهُمُ صُدَفُ التَخادُعِ والتَواطؤِ "مَسؤولينَ" يَتَمادونَ بِقَراراتِ إلغائِيَّةِ التَراكُمِ الحَضارِيِّ لِلبنانَ، مِن حَيثُ هوَ مِنَ الخَلقِ الى ما بَعدَ الرؤيا.
هَؤلاءِ السَيِّداتُ والسادَةُ، الزاحِفونَ لِلَحسِ أيِّ قَفاً يَكونونُ لَهُ عَبيداً لِتَركيبهِمِ أدَواتٍ طَيِّعَةٍ مُطيعَةٍ في مَناصِبَ مِن وَرَقٍ، بِسَبَبٍ مِن غَبائِهِمِ المُستَشري نَفاذاً لإبتِلاعِ غَنائِمَ، هُمُ المُجرِمونَ الأوائِلُ بِحَقِّ لبنانَ، مِن حَيثُ هوَ مُجابَهَةُ الكَثافَةِ، وَجُرأةُ المُثابَرَةِ، وَجَدِيَّةُ الإخلاصِ... مِن رَزانَةِ التاريخِ الى إتِّزانِ الجُغرافيا وَتَلاحُمِهِما.
مِن ظَهورِيَّةِ الروحِ Die Phänomenologie des Geistes التي تَغَنَّى هيغيلُ بِإنطِلاقَتِها مِن لبنانَ-الرواقيِّ، هَؤلاءُ حَوَّلوا لبنانَ مَطِيَّةَ التَفريغِ الجُغرافو-تاريخيِّ.
مِن عالَمِ أُمَّةٍ، كِإرادَةٍ وَفِكرَةٍ، على ما حَدَّدَ شوبِنهاورُ، هَؤلاءُ حَوَّلوا لبنانَ مَطِيَّةَ أيِّ أمَةٍ مُتَعَطِّشَةٍ الى مَن يَستَلِّذُ بِإستِعبادِها.
مِن طَبيعَةِ الأشياءِ De rerum natura على ما نَفَذَ إلَيها أوَّلاً Titus Lucretius Carus الرومانِيُّ، في القَرنِ الأَوَّلِ لِلميلادِ، بُلوغاً الى Ennéades ἐννέα)) تِساعِيَّاتُ Plotinus التي جَمَعَها تِلميذُهُ بروفيريوسُ الصورِيُّ-الُلبنانِيُّ، الأفلاطونِيُّ الفِكرِ، مَن بِهِ تِأثَّرَ الُلبنانِيُّ أغوسطينُس، هَؤلاءُ حَوَّلوا لبنانَ مَطِيَّةَ رُكامٍ.
مُصارَعَةُ التَبريرِ
أبَعدَ تَهافُتِ التَطاولِ على تاريخِيَّةِ الجَوهَرِ الُلبنانيِّ، وَتَبريرِهِ، لِعُقودٍ، بِلَغنا التَطاولَ على جُغرافِيَّةِ الوجودِ الُلبنانيِّ، وَتَبريرِهِ؟ لِيسَ ما جَرى بِحَقِّ آيَةِ آياتِ الطَبيعَةِ المَخلوقَةِ-الخَليقَةِ، مَغارَةُ جعيتا، إلَّا الدَليلَ الساطِعَ لِذاكَ الغَباءَ الإجراميَّ بِحَقِّ لبنانَ، المُتَناسِقِ الجِهَّاتِ، خُبثاً وَنَصباً وَوَعياً، والمُتماديَ في تَبريراتِ فِعلَتِهِ في غَوغائِيَّةِ خُزَعبَلاتٍ... كَمِثلِ ذاكَ اليَهوَّذا مُبَرِّرِ تَسليمَهُ السَيِّدَ لِلمَوتِ، لِألفَي عامٍ وَلَمَّا يَزَل. وَسَيِّدُهُ قامَ في اليَومِ الثالِثِ، لِأجلِهِ وأجلِ كُلِّ يَهوَّذا في العالَمِ.
فَلنَقُلّ: عُبودِيَّةُ الأوهامِ لا تَجعَلُ العَبدَ لِعَبدٍ أكبَرَ مِنهُ "مَسؤولاً"، مَهما إستَعلى نَبرَةً في تَبريرِ جَريمَتِهِ بِحَقِّ لبنانَ. وَلَو كُنَّا في دَولَةٍ تَحتَرِمُ حَقيقَتَها في مَدارِكِها، veritas-aletheia، لَسيقَ هَؤلاءُ الـ"مَسؤولونَ"-المُجرِمونَ، مَهما إستَعلَت مَناصِبُهُمُ، الى المُحاكَمَةِ بِجُرمِ تَسليمِ لبنانَ لِلمَوتِ بالتَنكيلِ عَمداً بِحَقيقَتِهِ التاريخِيَّةِ-الجُغرافِيَّةِ، الفائقة التَجريدِيَّةِ جَمالاً مِنَ الطَبيعَةِ المُكَوَّنَةِ-المُكَوِّنَةِ. ألَيسَت فَرَنسا، المُتَقَهقِرَةُ راهِناً إنحِداراتٍ مُنكِرَةٍ لِلتاريخِ وَناكِرَةٍ لِلجُغرافيا، مَن سَجَنَت رَئيساً سابِقاً لَها لِمُجَرَّدِ إرتيابٍ في صِدقٍ؟.
لَيسَ لبنانُ مُعضِلَةً. وَلَن يَكونَ... مَتى أعلى تَمَثُّلَ تَعريفِهِ والإلفَةَ العَقلِيَّةَ، التي مِنهُ، لِمُصارَعَةِ كُلِّ تَبريرٍ وَكُلِّ التَبريرِ لِإلغائِيَّتِهِ بِذاكَ الغَباءَ الإجرامِيَّ لِل"مَسؤولينَ" فيهِ، وَهُمُ على غَيرِ إٍستِحقاقٍ مُطلَقٍ لَهُ!.