يعتمد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في هذه الفترة، الخطاب الديني–الإتني–العرقي، في محاولة منه لإظهار نفسه في مظر المُدافع عن الشُعوب المُستضعَفة والمغلوب على أمرها... على رُغم استبعاده من "جائزة نوبل للسلام"، وقد آلت الجائزة إلى زعيمة المُعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو. كما وسقطت مقولته إنه الرئيس "الوحيد عبر التاريخ الذي أنهى ثمانية حروب"، منتقدا في المُقابل حُصول الرئيس السابق باراك أوباما على الجائزة!.
غير أن ترامب ماض في "أجندته"، وقد عاد واتهم دُولا بـ"كارتل" المُخدرات، كما فعل مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، إذ اتهمه ترامب بـ"قيادة كارتل مخدرات"، بينما يرى مادورو أن الهدف الحقيقي لواشنطن هو "فرض تغيير للنظام" في كراكاس، والسيطرة على النفط الفنزويلي.
وتزامنا، يُطرح الملف الفنزويلي، خلال "قمة مجموعة دول أميركا اللاتينية والكاريبي" (سيلاك)، في 9 و10 تشرين الثاني 2025، أي أمس الأحد واليوم الاثنَين، في مدينة سانتا مارتا الكولومبية.
قمة مجموعة الـ20
في الأسبوع الماضي، أعلن الرئيس ترامب أن أي مسؤول أميركي لن يحضر قمة مجموعة العشرين التي ستُعقد في جنوب إفريقيا، مُكررا تصريحاته في شأن تعرُض الأقلية البيضاء "للقتل والذبح"، في شكل مُمنهج في هذا البلد الإفريقي.
وكان ترامب أعلن في أيلول الماضي، أن نائب الرئيس جاي دي فانس، سينوب عنه في هذه القمة، قبل أن يعود ويُعلن مُقاطعتها تماما.
وكتب ترامب على منصته "تروث سوشال": "إنه لأمر مُخز تماما، أن تُعقد قمة مجموعة العشرين في جنوب إفريقيا".
أضاف: "لن يحضر أي مسؤول حُكومي أميركي، ما دامت هذه الانتهاكات لحُقوق الإنسان مُستمرة".
وقال ترامب إن الأفريكان، أو الأقلية البيضاء المُتحدرة من أحفاد المُستوطنين الأُوروبيين الأوائل في جنوب إفريقيا، "يتعرضون للقتل والذبح وتُصادر أراضيهم ومزارعهم في شكل غير قانوني".
في المُقابل، وصفت وزارة خارجية جنوب إفريقيا، تصريحات ترامب، بأنها "مُؤسفة"، مُضيفة أنها تتطلع إلى استضافة قمة "ناجحة" ستُقعد في 22 و23 تشرين الثاني الجاري.
وقالت الوزارة في بيان إن "وصف الأفريكان على أنهم مجموعة بيضاء بحتة هو أمر غير تاريخي. وعلاوة على ذلك، فإن الادعاء بأن هذه المجموعة تُواجه اضطهادا لا أساس له من الصحة".
واختارت جنوب إفريقيا "التضامن والمُساواة والاستدامة"، موضوعا لرئاستها مجموعة العشرين، ولكنها واجهت بعض المُعارضة، وبخاصة من الولايات المُتحدة التي تُعد أغنى عضو في المجموعة.
وقالت وزارة الخارجية إن "جنوب إفريقيا ما زالت تُركز على مُساهماتها الإيجابية على الصعيد العالمي".
أضافت: "بالاستناد إلى رحلتنا الخاصة من الفصل العنصري والإتني إلى الديموقراطية، تتمتع أمتنا بموقع فريد، يسمح لها بالدفاع عن مُستقبل من التضامن الحقيقي داخل مجموعة العشرين".
إبادة جماعية للبيض
هاجم ترامب جنوب إفريقيا في قضايا عدة، مُنذ عودته إلى البيت الأبيض في كانون الثاني 2025، أبرزها تصريحاته عن وقوع "إبادة جماعية للبيض" في البلاد.
وكان الرئيس الجمهوري وجه انتقادات لاذعة، إلى رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامابوزا، خلال استقباله في البيت الأبيض هذا العام، حيث عرض أمامه مقاطع "فيديو" لمزاعم بارتكاب تجاوزات بعد نظام الفصل العنصري في حق المُزارعين البيض.
ولكن حُكومة جنوب إفريقيا نفت أي سياسة من هذا القبيل.
إلى ذلك، أعلنت إدارة ترامب مُنذ حوالي الأسبوعين، إعطاء الأولوية لقبول اللاجئين البيض من جنوب إفريقيا.
وشملت التبايُنات بين البلدين أيضا، القضية التي رفعتها جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية ضد "إسرائيل" بتهمة ارتكاب إبادة جماعية في غزة.
وفرض ترامب رُسوما جُمركية بنسبة 30% على جنوب إفريقيا، هي الأعلى بين الدول الواقعة في جنوب القارة الإفريقية.
مسيحيو نيجيريا
في بداية تشرين الثاني الجاري، هدد الرئيس ترامب بـ"وقف كل المُساعدات والمعونات إلى نيجيريا، إذا استمرت حكومتها في السماح بقتل المسيحيين"…
أضاف: "رُبما نتوجه إلى نيجيريا بقوة، للقضاء على الإرهابيين الإسلاميين الذين يرتكبون هذه الفظائع المروعة". كما وجه ترامب وزارة الحرب، للاستعداد لأي عمل مُحتمل، مستطردا: "إذا هاجمنا فسنُهاجم بسرعة وشراسة، كما يُهاجم الإرهابيون مسيحيينا".
وأما نيجيريا فهي من الدُول التي رفضت أن تكون ملاذا أو وجهة لترحيل مُواطنين من دُول ثالثة إليها، مُعلنة رفضها أي اتفاق مع الولايات المتحدة في هذا الشأن، فيما قبلت بالاتفاق دول أفريقية أُخرى مثل غانا، أوغندا، رواندا، مملكة السواتيني وجنوب السودان…
كما وثمة نقاط خلاف بين الولايات المُتحدة وأبوجا في هذا الشأن.
ونيجيريا من الدُول التي أدرجها ترامب على قائمة "مُراجعة شروط ومُحددات الدخول بالنسبة إلى الزوار والأعمال". وقد بدأت السفارة الأميركية والمصالح القُنصلية الأميركية فعلا، بتصعيب إجراءات التأشيرات بالنسبة إلى مُواطنين من نيجيريا…
إضافة إلى ذلك، يتشدد ترامب عادة، في موضوع "استهداف المسيحيين" في داخل الولايات المتحدة وخارجها... وهو يرى أن من مسؤولية الولايات المُتحدة حماية المسيحيين في "حُريتهم في مُمارسة مُعتقداتهم الدينية"، ما ينسجم تاليا مع "سياسة مُحاربة العداء للمسيحيين".
وهذا الموقف ينسجم أيضا مع السواد الأعظم من الأميركيين الذين منحوا ترامب صوتهم في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة.
الغاز النيجري
إنها عوامل عدة دفعت بترامب إلى موقفه عالي النبرة من المسألة النيجيرية الشائكة. ولا بُد من الإشارة في هذا السياق، إلى أن نيجيريا هي من أكبر الدُول المُصدرة للغاز الطبيعي في العالم.
كما وأن لترامب علاقة خاصة مع الدول النفطية التي لا تُعتبر حليفا للولايات المُتحدة مثل نيجيريا وفنزويلّا…
وثمة إشارة في هذا المجال، إلى أن الولايات المُتحدة ستتدخل في الشأن النيجيري، عبر القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (Africo). غير أن الأمر قد لا يكون أبعد مما تقوم به الولايات المُتحدة الآن في فنزويلّا أو في البحر الكاريبي.
ولقد وجه ترامب أعضاء من الكونغرس بأن "يبحثوا أكثر في هذا الموضوع". وألمح إلى إمكان وضع نيجيريا على قائمة الدُول التي "تستدعي قلقا خاصا".
والسؤال المطروح في هذا المجال: لماذا نيجيريا الآن دونًا عن مُحيطها، فيما بوركينا فاسو مثلا، مُحتلة بنسبة 40 في المئة من أراضيها، من الجماعات المُتطرفة التي تُعاني منها النيجر أيضًا؟.
معايير جائزة السلام
إضافة إلى كُل ما ذكرناه أعلاه، ثمة مآخذ أيضا على الرئيس ترامب، وقد تكون لجنة جائزة السلام نظرت إلى الوضع من زاوية ما قام به المُرشح إلى الجائزة داخل بلده، في وقت يُتهم الرئيس ترامب بمُحاولة "عسكرَة" الحياة داخل الولايات المُتحدة، من خلال نشر الحرس الوطني مثلا، أو مُلاحقة وسائل الإعلام في قضايا أمام القضاء، ما يمس بحُرية التعبير، مع ما تعنيه هذه الحُرية للشعب الأميركي...
وفي هذا الإطار إشارة إلى أن الناشطة الفنزويلية الحائزة على "جائزة نوبل للسلام"، لم تقُم بأعمال سلام بين فينزويلا ودول أُخرى لديها صراعات مع بلدها، بل إنها حصلت على الجائزة نتيجة ما أنجزته داخل فنزويلا. وتاليا تسقط افتراضية أن تقتصر "جائزة السلام"، على وقف الحُروب بين الدُول.
ويبقى أن المرشحين إلى الجائزة، والظروف التي تم الاختيار على أساسها، لا تُلغى إلا بعد خمسين سنة، و"يدرى مين يعيش"!.
وفي الانتظار، فقد تكون حُظوظ الرئيس ترامب في الحصول على "جائزة نوبل للسلام" السنة المقبلة، أفضل بكثير: على الأقل سيمضي وقت لازم لاختبار اتفاقات السلام الثمانية التي يتحدث عنها ترامب، ومعرفة هل ستصمد أم تتلاشى.
























































