كلُّ متّحدٍ بالربّ وعاشقٍ له هو حيّ، فكيف بالأحرى إذا كان النبيّ إيليّا، الذي يُقال عنه شعبيًّا ​مار الياس الحي​ّ؟

لم يكن إيليّا حيًّا بالربّ فحسب، بل كان أيضًا نبيًّا غيورًا، وكان يردّد دائمًا: «حَيٌّ هُوَ رَبُّ الْجُنُودِ الَّذِي أَنَا وَاقِفٌ أَمَامَهُ. إِنِّي الْيَوْمَ أَتَرَاءَى لَهُ» (1 ملوك 18: 15). لم يكن ترداده لهذا الكلام مجرّد قولٍ، بل كان عيشًا حقيقيًّا؛ فقد جاء تعبيره ترجمةً لعيشه الدائم في حضرة الله، ولعلاقته الحيّة مع الخالق.

وهذا ليس بغريبٍ إطلاقًا عن رجال الله، سواء في العهد القديم أو في العهد الجديد. فكلُّ مؤمن مدعوٌّ إلى أن يعيش كلَّ لحظةٍ من حياته في حضرة الله، بأفكاره وصلواته وأعماله، أينما وُجد.

يعلّمنا إيليّا، الذي يعني اسمه «إلهي هو يهوه»، الغيرةَ على بيت الربّ. وأوّل بيتٍ للربّ هو الإنسان نفسه، إذ إنّ الربّ تجسّد وسكن فيه، ليجعله، إن شاء الإنسان، هيكلًا للربّ القدّوس.

نقرأ في المزمور: «لأَنَّ غَيْرَةَ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي» (مز 69: 9). والغيرة هنا تعني الحماس الشديد والمحبّة العميقة. وقد ذكّرت هذه الآية تلاميذَ يسوع بحادثة تطهير الهيكل، عندما طرد يسوع الباعة من الهيكل (يوحنا 2: 17)، قائلًا: «لَا تَجْعَلُوا بَيْتَ أَبِي بَيْتَ تِجَارَةٍ!».

وفي الحادثة نفسها، أوضح الربّ أنّ الهيكل الحقيقي ليس الحجر؛ لأنّه لم يتجسّد ليكون إلهًا صنميًّا في هيكلٍ من حجارة، بل إلهًا حيًّا في هيكلنا اللحمي. نعم، نحن هيكله، وهو يقيمنا معه إلى الحياة الأبديّة.

وبالعودة إلى إيليّا، فقد قال أيضًا في علاقته مع الربّ: «غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ إِلَهِ الْجُنُودِ» (1 ملوك 19: 10-14). وكان يعبّر عن حالة البُعد عن الله التي وصل إليها مَن كان يُفترض أن يكون مع الله، لأنّ بني إسرائيل استبدلوا عبادتهم لله بعباداتٍ وثنيّة.

جميلٌ أن نحتفل بعيد النبيّ إيليّا، ولكنّ الأجمل أن نتحلّى بغيرته للربّ، وأن نبدأ بتطهير ذواتنا، لنعلن مع إيليّا أنّ «يهوه» هو إلهنا. و«يهوه» يعني «الكائن»، وهذا المعنى حاضر في اسم يسوع المركّب من «يهوه» و«يَشَع»، أي إنّ الله يخلّص.

كما يجب ألّا نتاجر مع الشيطان، بل مع الله، كما قال القدّيس سيرافيم ساروفسكي، فنربح الملكوت ونقتني الروح القدس.

فإن غِرْنا للربّ غيرةَ إيليّا، نُقيم أنفسنا من موت الخطيئة، كما أقام إيليّا ابنَ أرملةِ صَرْفة (1 ملوك 17: 17-24)، ونُزيل الجفاف من حياتنا، فتمطر علينا نِعَمُ الربّ، كما صلّى إيليّا وهطل المطر بعد جفاف دام ثلاث سنوات (يعقوب 5: 18).

وبكثرة ما كان إيليّا غيورًا، قيل عن القدّيس يوحنا المعمدان إنّه يتقدّم بروح إيليّا وقوّته (لوقا 1: 17). وقد ظهر إيليّا أيضًا في تجلّي الربّ مع موسى النبيّ (متى 17).

نُشاهد إيليّا النبيّ في الأيقونة إنسانًا ذا وجهٍ صارم، وشعرٍ كثيف (2 ملوك 1: 8)، وكذلك لحيته. فملامحه نُسكيّة، إذ كان زاهدًا. أمّا رداؤه المصنوع من الجلد أو العباءة الخشنة، فهو إشارة إلى أنّه عاش في البرّيّة. وتشير اللفافة التي يحملها في يده إلى رسالته النبويّة وإلى كلمة الله التي أعلنها بشجاعة وقوّة.

وهناك أيقونات نُشاهده فيها جالسًا أمام مغارة، وفوقه غراب يحمل له خبزًا (1 ملوك 17: 4-6). كما توجد أيقونة مشهورة له، حيث يصعد إلى السماء في مركبة وخيلٍ من نار (2 ملوك 2: 11)، بينما يتسلّم النبيّ أليشع، تلميذه، عباءته. وهناك تفاصيل أخرى، مثل شَقِّ أليشع نهرَ الأردن بعباءة إيليّا (2 ملوك 2: 13-14)، وهذه إشارة واضحة إلى شفاعة القدّيسين.

وفي الخلاصة، إيليّا رجلٌ اختار الله وعشقه، وأحبّ الصلاة، وهو أيقونة حيّة أمامنا لنقتدي به.

وقد كلّمه الربّ بالنسيم وبصوتٍ منخفضٍ خفيف، مؤكّدًا له أنّ لغة الله ليست العنف (1 ملوك 19: 12).

إلى الربّ نطلب.