مع مرور عام كامل على ما سُمّي ب​اتفاق وقف إطلاق النار​ بين ​لبنان​ و​إسرائيل​، أو تحوّل المعركة من مواجهة مفتوحة بين الأخيرة و"​حزب الله​" إلى حرب أحاديّة تشنّها عليه، لا تزال الصورة على حالها تقريبًا. فالعدّاد لا يتوقف عن تسجيل الخروقات الإسرائيلية بوتيرة يوميّة برًا وجوًا، ويتزايد الحديث عن مزيد من الشروط على طاولة التفاوض، فيما ينكفئ "حزب الله" عن الردّ المباشر، ملتزمًا بتموضعه خلف الدولة لا أمامها، حتى بعد تبنّيها مبدأ "حصرية السلاح".

مع ذلك، استقطبت الكلمة الأخيرة للأمين العام لـ"حزب الله" ​الشيخ نعيم قاسم​ الكثير من الاهتمام، من حيث توقيتها أولاً، فهي جاءت بعد أسبوع على "الكتاب المفتوح" الذي وجّهه الحزب إلى اللبنانيين، وفي وقت يتكثّف الحديث عن نهاية العام الحالي كموعد مفصليّ: إمّا لتثبيت صيغة الهدنة بشروط جديدة، أو الانزلاق إلى مستوى آخر من التصعيد قد يأخذ شكل جولة ثانية من القتال، أو ما يسمّيه الإسرائيليون أنفسهم "المعركة الأخيرة" في الشمال.

وفي حين تبقى الجبهة الجنوبية محكومة بـ"هدنة تحت النار"، إن جاز التعبير، حيث لا يمكن الحديث عن حرب شاملة، ولا عن سلام مستقرّ، بدا واضحًا أنّ الشيخ قاسم تعمّد في خطابه مخاطبة الداخل والخارج معًا، واضعًا خطوطًا حمراء مسبقة لأيّ محاولة لإعادة التفاوض على الاتفاق أو استثماره كأداة لنزع سلاح الحزب، كما يحاول أن يفعل الأميركيون والإسرائيليون اليوم، على الرغم من أنّ الاتفاق لم ينصّ على ذلك أبدًا.

لكن أبعد من السياق الميداني المباشر، يأتي الخطاب في لحظة إقليمية ضاغطة أيضًا، إذ تشهد المنطقة حراكًا سياسيًا وأمنيًا متسارعًا، منذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وما يحكى عن ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، حضرت بصورة أو بأخرى على هامش الزيارة الأخيرة للرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن، والتي قُدّمت بوصفها إشارة إلى انتقال سوريا من خانة "المشكلة الأمنية" إلى خانة "الشريك الممكن" في نظام إقليمي جديد.

إذا كان السؤال البديهي الذي يطرحه كثيرون هو عن موقع لبنان في هذا النظام، فإنّ الواضح حتى الآن أنه عالق في خانة مختلفة، إذ توحي معظم المؤشرات بأنه تحوّل إلى "حلبة ضغط مفتوحة" حتى إشعار آخر، والضغط هنا لا يقتصر على الجانب العسكري، بل تُستخدَم فيه أدوات متوازية، من الغارات والاغتيالات، إلى العقوبات والضغوط المالية، مرورًا بشروط على تسليح الجيش ودعمه.

فعلى المسار العسكري، تواصل إسرائيل سياسة القضم المتدرّج جنوبًا، في محاولة لتثبيت وقائع جديدة على الأرض وعلى الحدود، من دون أن تدفع كلفة حرب شاملة. وبالموازاة، تقود واشنطن مسارًا تصاعديًا من الشروط على المستويين المالي والسياسي، ربطت من خلاله أي دعم للدولة أو الجيش بتطبيق ملموس لمبدأ "حصر السلاح بيد الدولة"، بما يعني البدء عمليًا في تقييد سلاح "حزب الله" شمال الليطاني، لا الاكتفاء برفع الشعار في البيانات الرسمية.

من هذه الزاوية تحديدًا، يُقرأ خطاب الشيخ قاسم الأخير كنوع من رسم "حدود التنازل" أكثر مما هو بحث عن دور إقليمي جديد. يتجلّى ذلك في جملة رسائل أساسية، أوّلها أنّ الحزب لن يخرج من تموضعه خلف الدولة، ولو أنه يرفضاستخدام شعار السيادة كمدخل لانتزاع سلاحه. هنا يبدو التوازن الدقيق الذي يحاول ضبطه: القبول بخطة توسيع انتشار الجيش جنوب الليطاني، شرط ألّا تتحوّل إلى خضوع لأجندة الخارج، أو إلى نقطة بدء لمسار نزع السلاح.

في هذا الإطار، تكتسب العبارات التي اعتبرها البعض "متناقضة" معناها السياسي. فهو من جهة يقدّم ما قرأه كثيرون كرسالة تطمين مشروطة لإسرائيل، حين يتحدّث عن أنّ أمن المستوطنات في الشمال ليس مهدّدًا ما دام الاتفاق يُحترم، وأن التزام وقف إطلاق النار لا يزال قائمًا رغم الخروقات. بهذا المعنى، هو لا يلوّح بفتح جبهة جديدة شمالًا، ولا يعلن رغبة في العودة إلى الميدان في هذه المرحلة، بل يربط كل شيء بسلوك العدو وبمدى احترامه للاتفاق.

لكن الرسالة لا تكتمل إلا بالشقّ الآخر من الخطاب، حين يرفع السقف مع شعار "لكل شيء حدّ". هنا لا يحدّد شكل هذا "الحدّ" ولا توقيته، بل يتركه مفتوحًا على احتمالات متعدّدة، من تشديد الردع إلى العودة إلى العمل العسكري إذا استمرّ ما يصفه بالعدوان والخطر الوجودي. بهذه الصياغة، يقول قاسم عمليًا إنّ أمن الشمال الإسرائيلي ممكن، لكن ليس مجّانًا، وليس خارج إطار التزام إسرائيل بالانسحاب ووقف العدوان واحترام قواعد الاشتباك.

صحيح أنّ بعض القراءات ذهبت إلى اعتبار الخطاب تمهيدًا لتوسيع الحرب، انطلاقًا من تمسّكه القاطع بالسلاح واستباقه الحديث عن "مهلة" نهاية العام، إلا أنّ قراءة أخرى لا تقلّ وجاهة ترى فيه محاولة لتثبيت "معادلة ردع سياسية" موازية للمعادلة العسكرية. فالحزب لا يوافق على إدخال سلاحه في بازار الترتيبات الإقليمية، لكنه يدرك في المقابل أنّ تجاهل ​الضغوط الدولية​ لم يعد ممكنًا، ولذلك يتقدّم بخطاب يجمع بين التشدد في الجوهر، والمرونة في الشكل والتنفيذ.

عمليًا، يطرح "حزب الله" معادلته الخاصة في سنة ما بعد حرب الجنوب: لا نزع للسلاح تحت الضغط، ولا انسحاب من المعركة السياسية حول السيادة والحدود. يقبل بانتشار أوسع للجيش جنوبًا، وبتحمّل الدولة رسميًا مسؤولية ضبط الحدود والخروقات، لكنه يرفض أن يكون هذا المسار مدخلاً لنزع سلاحه كما تريد تل أبيب، التي باتت تتصرّف كما لو أنّ نزع السلاح جزء من الاتفاق، أو أنه "شرط" لأيّ مفاوضات جديدة، مباشرة أو غير مباشرة.

يبقى السؤال الأهم: إلى أي حدّ ينجح هذا الخطاب في تغيير قواعد اللعبة؟ على المستوى التكتيكي، قد يرفع كلفة الاستمرار في سياسة "الضغط بلا حرب" عبر التلويح بأن "لكل شيء حدّ"، ما يدفع الوساطات الدولية إلى التعامل مع خطوط الحزب الحمراء بمزيد من الجدية. لكنه في الوقت نفسه يكرّس صورة لبنان كبلد معلّق بين تهديد عسكري إسرائيلي دائم، وضغط اقتصادي ومالي أميركي متصاعد، وبين معادلة مقاومة ترفض أن تُختزل في حماية الحدود فقط.

في المحصّلة، لا يقدّم خطاب الشيخ نعيم قاسم وصفة سحرية لإنقاذ لبنان من سباق الوقت بين ​التهديد العسكري​ والاختناق الاقتصادي، لكنه يحدّد بوضوح سقفًا لما يقبل به "حزب الله" في المرحلة المقبلة: لا استعداد للتخلّي عن السلاح تحت الضغط، ولا قبول بأن يكون ثمن استقرار الحدود الشمالية أمنًا مجانيًا للمستوطنات مقابل سلام ناقص للبنان.

وبين هذين الحدّين، يبقى الهامش ضيّقًا أمام أي تسوية: إمّا أن تنجح الدولة في تحويل الضغط الدولي إلى فرصة لحوار لبناني-لبناني جدّي حول استراتيجية دفاعية تضمن شراكة فعلية في القرار، وإمّا أن يتحوّل شعار "لكل شيء حدّ" من تحذير سياسي إلى لحظة انفجار جديدة على جبهة الجنوب.