أشار الأمين العام لـ"​حزب الله​" الشّيخ نعيم قاسم، في كلمة ألقاها خلال الاحتفال التكريمي الّذي أقامه "حزب الله" في الذّكرى السّنويّة الأولى لاغتيال مسؤول العلاقات الإعلاميّة في الحزب ​محمد عفيف النابلسي​ ورفاقه، إلى أنّ "عفيف اسمٌ لامع في عالم الإعلام، وقلمٌ قوي في الكتابة والإلقاء، ومخزونٌ كبير من الثّقافة والوعي وحسن الرّؤية واستقامة الطّريق. وهو الّذي اقترح بعد شهادة الأمين العام السّابق لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله، أن تُقام عدّة مؤتمرات صحفيّة، لتقديم توضيحات لأمور لا تكفي فيها كلمة الأمين العام، خاصّةً أنّ الفاصل بين الكلمة والأخرى هو فاصل زمني يتجاوز الأسبوع في بعض الأحيان، فيجب أن نملأ الفراغات الّتي تتواجد خلال هذه الفترة".

وأكّد أنّه "يجب تحصين ساحتنا من خلال مراقبة ما يُبث على المستوى الإعلامي. أنتم تعرفون اليوم مئات القنوات، آلاف وسائل التواصل، ومئات المواقع الإلكترونيّة تبث أخبارًا كاذبةً من غرفٍ سوداء، من أجل أن تُضلّل، ومن أجل أن تعطي الصّورة المخالفة للحقيقة. مع العلم أنّ الصّورة أحيانًا تكون ناصعةً وتكون واضحة".

وسأل الشّيخ قاسم "أيّ صورة أوضح من حقّ المقاومة في الدّفاع ضدّ الاعتداء الإسرائيلي والعدوان الإسرائيلي على لبنان؟ أيّ صورة أوضح من هذه المجازر الّتي ارتكبها العدوان الإسرائيلي سواء في لبنان أو في فلسطين؟ أي صورة أوضح عندما يقتل العدوان المدنيّين والإعلاميّين، ويقتل كلّ من يسير على الأرض لأنّه في الجبهة المقابلة؟ لكن وظيفة الإعلام أن يُبرّز هذه الصّور".

ولفت إلى أنّ "عفيف كان يسعى من خلال اتصالاته المختلفة أن يبرز هذه الصّور، أن يكرّرها، أن يعطيها حقّها حتى يتعرّف النّاس، ليس فقط عندنا، بل حتى على مستوى العالم. أنتم تعلمون أنّه إلى اللّحظة الأخيرة، كان يقول الأميركي والإسرائيلي والمتواطئون معهما: "لا يوجد إبادة في فلسطين وفي غزة"، مع العلم أنّ كلّ العالم رأى على الشّاشات التلفزيونيّة مباشرةً كيف تحصل الإبادة، وكيف يحصل التجويع، وكيف يحصل القتل اليومي لأهل غزّة من الرّجال والنّساء والأطفال"، مركّزًا على أنّه "يجب أن ندقّق دائمًا بالمعلومة قبل أن ننشرها، وقبل أن نتبنّاها، وقبل أن نحاكمها، وأن نحلّل على أساسها".

كما أوضح أنّ "دور الإعلام كان مهمًّا جدًّا. اغتيال إسرائيل للإعلاميّين لأنّهم تركوا أثرًا حقيقيًّا في إبراز حقيقة المعركة. هؤلاء قدّموا الوقائع والحقائق، وواجهوا إعلام الطواغيت والمجرمين. لا تستهينوا بالنّتيجة الّتي حقّقها الإعلام المقاوم والإعلام الحليف المؤيّد للمقاومة، وإلّا لما استهدفوهم"، منوًّهًا إلى أنّ "الصّورة الآن على مستوى العالم، وليس على مستوى لبنان فقط، صورة مشرقة للمقاومة، وتُبيّن إجرام أميركا وإسرائيل، وهذا إنجاز عظيم".

من جهة ثانية، ذكر قاسم أنّ "في 22 تشرين الثّاني سنة 1943، أخذ لبنان استقلاله، ومنذ ذلك الوقت نحتفل بعيد الاستقلال في هذا الزّمن"، متسائلًا "كيف انتزع اللّبنانيّون استقلالهم؟". وأجاب أنّ "مجلس النّواب اجتمع، وأقرّ تعديلات دستوريّة في 8 تشرين الثّاني 1943 مع وجود الانتداب الفرنسي، والتعديلات الّتي أقرّها ألغت المواد الّتي تمنح صلاحيّات للانتداب الفرنسي. فما كان من القيادة الفرنسيّة إلّا أن أقدمت على اعتقال قادة لبنان: بشارة الخوري ورياض الصلح وعدد من الوزراء، وزجّتهم جميعًا في قلعة راشيا. انتفض النّاس، وتحرّك الشّارع، وكانت المظاهرات الكبيرة، ممّا اضطرّ الانتداب الفرنسي أن يُفرج عن المعتقلين في 22 تشرين الثّاني 1943، وأن يعلن الاستقلال".

وبيّن أنّ "لبنان لم يحصل على استقلاله إلّا بالمعاناة وبالمطالبة وبالموقف وبالسّجن، وقبله بكثير كان هناك الشّهداء. لقد رضخت فرنسا للضّغوط الشّعبيّة بشكل مباشر، وحصل لبنان على استقلاله"، سائلًا "ماذا يعني الاستقلال؟ الاستقلال هو تحرير الأرض، ورفض التبعية للوصاية الأجنبيّة".

وأعلن "أنّنا نؤمن باستقلال لبنان على كامل أراضيه، لـ10452 كيلومترًا مربّعًا، ولا نقبل أن ينقص شبر واحد من لبنان، وأن يكون عزيزًا كريمًا محرّرًا، وبعيدًا عن التبعيّة والوصاية، أيًّ كانت هذه الوصاية"، مشيرًا إلى أنّ "في الاستقلال كان المسلمون والمسيحيون معًا قلبًا واحدًا، ولذلك حرّروا".

وأضاف قاسم أنّه "لمّا كان الاحتلال قد بدأ في سنة 1978 بأخذ قطعة كبيرة من الأرض، ثمّ بعد ذلك باجتياح 1982، أحد العوامل الّتي أدّت إلى أن يطول الاحتلال إلى فترة من الزّمن، هو أنّ بعض اللّبنانيّين عملوا تحت إمرته"، شارحًا أنّ "هؤلاء أطالوا الاحتلال لأنّهم كانوا في الواجهة مع المقاومين، وكان الإسرائيلي وراءهم. وبالتالي هؤلاء العملاء سبّبوا طول الاحتلال. الاحتلال اللّبناني استمر 22 سنة، يعني الإسرائيلي احتلّ لبنان 22 سنة بشكل مباشر وواسع".

ولفت إلى أنّ "بعد التحرير سنة 2000، الجميع اعتبر أنّ إسرائيل عدو، وأنّ من يتعامل مع هذا العدو سيكون منبوذًا من كلّ اللّبنانيّين، لأنّ الجميع شاهد ما حصل في لحد. كان ذليلًا عندما خرجت إسرائيل من لبنان سنة 2000، والصّور تشهد على ذلك".

وشدّد على أنّ "المقاومة هي بالحقيقة فعلٌ لطرد المحتلّ، والمقاومة موجّهة ضدّ العدو الإسرائيلي. أي توجّه من أي جهة لبنانيّة أو من أي شخصيّة لبنانيّة تعمل لتبرّر للعدو الإسرائيلي بعد التحرير، هذا يعني أنّها تريحه بمواقفها، وبالتالي هذا يؤدّي إلى إعطاء العدو فرصةً داخليّةً إضافيّةً لاحتلاله".

وتابع قاسم: "فلنعمل مثل ما عملنا سنة 2000. سنة 2000 خرج الإسرائيلي، كنّا جميعًا يدًا واحدةً، وقلنا: عفى الله عمّا مضى. اليوم، إذا كنّا يدًا واحدةً، فليخرج الإسرائيلي من أرضنا، وليوقف العدوان، وليفرج عن الأسرى، ونحن نستطيع أن نتفاهم مع بعضنا. من الخطأ أن يعمل البعض لخدمة المشروع الإسرائيلي".

إلى ذلك، اعتبر أنّ "ما يجري اليوم في لبنان ليس عدم تطبيق اتفاق وقف إطلاق النّار، بل ما يجري هو عدوان موصوف ابتدائي يهدف إلى السّيطرة على لبنان وتجريده من قوّته، كلّ أنواع القوّة الّتي يملكها عسكريًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا؛ يريدون التحكّم بلبنان".

ودعا إلى "النّظر إلى ما جرى مع "اليونيفيل" أمس: "اليونيفيل" هي الّتي أصدرت بيانًا بأنّ جدارًا قد بناه الإسرائيلي تجاوز فيه الخط الأزرق، ما جعل أكثر من 4000 متر مربّع من الأراضي اللّبنانيّة غير متاحة للشّعب اللبناني. و"اليونيفيل" هي الّتي أعلنت أنّ الإسرائيلي أطلق النّار على جنودها، وكان يمكن أن يُصابوا على بُعد أمتار".

وبيّن قاسم أنّ "هذا يعني أنّ الكلّ في مواجهة هذا العدوان، وبالتالي هذا العدوان لا يقبل أحد: لا "اليونيفيل"، ولا الجيش اللبناني، ولا يقبل بالأصل أن يكون هناك استقرار لا في جنوب لبنان ولا في كل لبنان. يريد أن يسيطر بحجج مختلفة، وهو يعتدي على الجميع".

وركّز على أنّ "هذا الاعتداء على "اليونيفيل" وعلى الجيش اللبناني وعلى المدنيّين، يدلّ بشكل واضح أنّنا أمام عدوان خطير له امتداداته، ويجب أن نواجهه بكلّ الأشكال الدّبلوماسيّة والسّياسيّة، وأن نفكّر بكلّ الوسائل الّتي تؤدّي إلى وضع حدّ لهذا العدوان. الحكومة مسؤولة أن تفكّر، والدولة اللبنانية بأركانها مسؤولة أن تضع برامجًا لمواجهة هذا العدوان".

وكشف أنّه "عندما يلتقي معنا المبعوثون الدّوليّون، يقولون: "معكم حق"، لكن إسرائيل متغوّلة، وأميركا تدعمها، ليس عندكم خيار إلّا أن تتجاوبوا، ماذا يعني؟ أي أن تستسلموا. لماذا؟ هل للإسرائيلي حق؟ قالوا: "لا، ليس لديهم حق، الحق معكم، وهم يعتدون، لكن ماذا نفعل ليس هنالك من خيار آخر...".

واستطرد قاسم: "لا، عندنا خيار آخر. العدوان هو المشكلة، وليس المقاومة. العدوان هو المشكلة، وليس أركان الدّولة اللّبنانيّة. العدوان هو المشكلة، وليس الجيش اللّبناني وأداء الجيش اللّبناني. إذًا، يجب أن نتوجّه من هذا المنطلق ونرى كيف نتصرّف". ورأى أنّ "من يقول إنّ المقاومة مشكلة لأنّها لا تستسلم، إنّما يقبل أن يسلّم البلد إلى إسرائيل. نحن لا نقبل، ونحن شركاء في هذا البلد، ولنا كلمتنا، ومعنا قسم كبير من الشعب اللبناني والقوى السّياسيّة اللّبنانيّة والحليفة، بل حتى الدّولة اللّبنانيّة: لا أحد يقبل أن يسلّم لإسرائيل أن تعبث في لبنان كما تشاء".

وخاطب الحكومة، قائلًا: "نحن جزء من هذه الحكومة، ونريد لها أن تنجح في بناء لبنان وتحريره، وتُخطئ الحكومة عندما تسلك طريق التنازلات طمعًا بإنهاء العدوان. أنا سأفترض وأضع عنوانًا بأنّ هناك نوايا طيّبة، تحت عنوان "خلّينا نعطيهم لنرى ماذا سيفعلون"، سائلًا: "كم مرّة جرّبتي حظّك أيّتها الحكومة؟ كم مرّة جرّبتم التنازلات، وقدّمتم العروض المسبقة من جانب واحد، ولم تُثمر هذه العروض ولا التنازلات؟".

وأوضح أنّ "تطبيق اتفاق وقف إطلاق النّار كان من جانب واحد، وبانضباط استمرّ لمدّة سنة حتى الآن، ولم تطبّق إسرائيل شيئًا. مع العلم أنّ هذه مبادرة، والآن الجيش اللّبناني يستمر في عمله في جنوب نهر الليطاني، ولم تقم إسرائيل بأي عمل. أليس هذا اسمه تنازلًا؟".

وأشار قاسم إلى "خطّة حصريّة السّلاح الّتي قرّرتموها في الحكومة، والّتي عدّلتم فيها بعد أن وجدتم أنّها خطر كبير وخطأ كبير وخطيئة، وبعد أن أعلنت المقاومة والشّعب اللّبناني بأنّهما لا يقبلان بهذا الاتجاه، مع ذلك لم يتجاوبوا معكم بأي شيء".

ووجد أنّ "الانتشار الّذي يحصل في جنوب نهر الليطاني رغم العدوان المستمر، هو تنازل. إعلان الاستعداد للتفاوض هو تنازل، وإقرار مبادئ ورقة الموفد الأميركي توم باراك المخزية هو تنازل"، لافتًا إلى أنّ "كلّ هذه التنازلات الّتي وفي المقابل لم تنفّذ إسرائيل أي خطوة، ولم يُعطِ الأميركي أي ضمانة، ويطلبون دائمًا المزيد. دائماً يقولون: بعد، مطلوب من لبنان أن يعطي أكثر".

وأكّد قاسم "أنّني أنصح أن نتوقّف. دعونا نقول "لا"، جرّبوا قول "لا" على أساس حقوق لبنان، ونكون معًا جميعًا، ولو بقي بعض المتلوّثين بالرّغبة في السّيطرة واتباع الأجنبي، سننجح معًا إذا وقفنا جميعًا. معًا نصنع استقلالنا، معًا من جديد نحرّر أرضنا، معًا نستعيد خطوات الاستقلال ونستطيع أن نكون كمسلمين ومسيحيّين وكمناطق مختلفة في لبنان قلبًا واحدًا، ويدًا واحدةً في مواجهة العدو الإسرائيلي ومن ورائه أميركا".

وجزم "أنّنا نريد حقوقنا، نريد أرضنا، نريد أسرانا، نريد استقرارنا، نريد اقتصادنا وسياستنا. نحن نريد حقوقنا، ومن حقّنا نحصل على هذه الحقوق كعاملين في هذه الدّولة، وهذا حقّ كلّ الشّعب اللّبناني".

إلى ذلك، شدّد على أنّ "الوصاية الأميركيّة على لبنان خطر كبير جدًّا. هذه الوصاية لا تعمل من أجل استقرار لبنان. بعضهم قال: "إذا لم تكن أميركا وسيطًا، فمن يكون وسيطًا؟"، متسائلًا: "هل أميركا وسيط؟! أميركا معتدية، راعية للعدوان الإسرائيلي، وتوجّه إسرائيل حول حدود العدوان ليتواءم مع الحركة السّياسيّة والضّغط السّياسي".

وأردف: "اسمعوا الإسرائيلي هو يقول إنّه اعتدى بعد التنسيق مع الأميركي، وأنّه قصف بعد التنسيق مع الأميركي، وأنّه قام بالإجرام بعد التنسيق مع الأميركي. لماذا يركّز دائمًا على ذلك؟ حتى لا يتحمّل مسؤوليّةً وحده، وحتى يقول إنّه يعمل ضمن هذا السّقف الأميركي، وهذا المطلوب منه أن تُثمّر أميركا اعتداءاته؛ فلذلك يوظّفها في إطار الدّور الأميركي".

وسأل قاسم أيضًا "من الّذي خرّب لبنان من سنة 2019 حتى الآن؟ الأميركيّون هم الّذين خرّبوا لبنان. التظاهرات الّتي كانت تحصل فيها ألم شعبي صحيح، فيها مشاكل معقّدة صحيح، لكن أيضًا فيها تدخّل أجنبي أميركي يريد أن يُحدث فتنةً داخليّةً وتعديلًا بالموازين الدّاخليّة".

وذكر أنّ "بعض الّذين كانوا ينزلون إلى منطقة ساحة الشهداء أو رياض الصلح، كانوا يعقدون ندوات تحت عنوان أنّ هناك تثقيفًا على المعارضة وعلى كيفيّة الانتظام واستثمار هذه التحرّكات الشّعبيّة. كان يأتي بعض الأشخاص من الأوروبيّين أو الأميركيّين، تحت عنوان أنّهم دكاترة، يقومون بالتثقيف. كانوا يقولون لهم خلال الجلسات: يجب أن يسقط الدّمّ، إذا تبيّن أنّ هذا الحراك بالمعارضة ليس كافيًا. قالوا لهم: لماذا تريدون أن يُسقط الدّم؟ فأجابوا: لأنّ الدّمّ يؤدّي إلى تحرّك".

وركّز على أنّ "أي دم يسقط يؤدي إلى فتنة داخلية، لأن هذه الفتنة الداخلية تخلط الأوراق مجدداً وتجعل الكلّ في وضع مأزوم مما يُمكّن للأمريكي أن يتدخّل ويقرر ما يريد. هذا ما كانوا يقولونه لهم، يعني هؤلاء جماعة الأمريكي مع الفتن الداخلية ليصلوا إلى أهدافهم، إذا لم يصلوا إليها من غير الفتن".