من روسيا إلى الولايات المتحدة وصولاً إلى الصين، تستمر السلطة الإنتقالية في ​دمشق​ في السعي إلى تحسين علاقاتها الخارجية مع الدول الكبرى، بهدف ضمان بقائها أطول فترة ممكنة، خصوصاً أنها، على المستوى الداخلي، لا تزال تصطدم بالعديد من العقبات، ولذلك كان البحث عن الشرعية الخارجية هو الحل الوحيد المتاح.

الزيارات الخارجية التي تقوم بها هذه السلطة، سواء عبر رئيسها أحمد الشرع أو وزير خارجيته أسعد الشيباني، تفتح الباب أمام طرح الكثير من علامات الإستفهام حول التنازلات التي تقدمها، لا سيما أن الجميع يدرك أن الدول الكبرى تبحث عن مصالحها بالدرجة الأولى، في حين أن العديد من الأوساط الداخلية المعارضة تعتبر أن هذه السلطة لا تملك الحق في تقديم أي تنازلات، نظراً إلى أن وظيفتها من المفترض أن تنبع من صفتها، أي سلطة إنتقالية يجب أن يكون تركيزها على ​الأوضاع الداخلية​.

بغض النظر عن الخلافات القائمة في هذا المجال، ترى مصادر متابعة أنه من الضروري التوقف عند معادلة أن هذه السلطة باتت تطالب بالمسارعة في معالجة مجموعة من الملفات الصعبة، التي يتطلب النجاح فيها إنقلاباً في تركيبتها، تبدأ من الإنضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، ولا تنتهي عند معالجة ملف ​الفصائل المتطرفة​ المتحالفة معها، بل تشمل أيضاً ملف المقاتلين الأجانب، من دون تجاهل الخلافات القائمة مع مختلف المكونات في البلاد.

في جميع اللقاءات التي تحصل مع القوى الخارجية، تؤكد السلطة الإنتقالية في دمشق على الرغبة في التعاون، بالرغم من أنها في بعض الملفات تطالب بالحصول على المزيد من الوقت لإنجاز المهمة، وهو ما يدفع تلك القوى إلى التغاضي عن بعض الإرتكابات التي تقوم بها تلك السلطة أو الفصائل المتحالفة معها، من منطلق أن هناك مهمات من المفترض أن تقوم بها، لكن في المقابل هناك الكثير من الأسئلة التي تطرح حول قدرتها على ذلك.

بالنسبة إلى المصادر نفسها، هناك فرق كبير بين الرغبة والقدرة، فالسلطة الإنتقالية تبدي الكثير من الرغبات، لكنها على أرض الواقع لا تبدو قادرة على تحقيق كل ما هو مطلوب منها، ليس بسبب الخلافات الداخلية التي تمثل عقبة كبرى، بل أيضاً بسبب التنافس بين ​اللاعبين الإقليميين​ والدوليين، حيث تتضارب المصالح التي عليها التعامل معها بشكل دقيق، خصوصاً أن ​سوريا​ لا تزال، حتى الآن، عبارة عن ساحة لم تستقر، بل الأوضاع فيها مفتوحة على كافة الإحتمالات.

من وجهة نظر أوساط معارضة، في حال أرادت هذه السلطة الذهاب إلى تحقيق ما هو مطلوب منها، سيكون عليها الإصطدام بمجموعة من القوى الداخلية الحليفة لها، ما يعني أن البلاد ستكون أمام سلسلة من المواجهات على هذا الصعيد، حيث تشير إلى أن تنظيم "​داعش​"، على سبيل المثال، قد يكون أبرز من المستفيدين من هذا الواقع، خصوصاً أنه قد يكون الملجأ لبعض المجموعات التي لا توافق على التحولات التي يقوم بها الشرع.

هنا، توضح هذه الأوساط أن "داعش" يتعمد التركيز على هذا الأمر، فيما يصدر عنه من مواقف في الفترة الراهنة، الأمر الذي تشير إلى أنه لا يقتصر على موقف التنظيم فقط، بل ينم على وجود جهات خارجية تسعى إلى اللعب على هذا الوتر، من منطلق مصلحتها في الذهاب إلى صدام كبير في الداخل السوري، يصب في إطار تعزيز الخيار التقسيمي في البلاد، في حين أن الشرع، في حال كان راغباً في هذه المواجهة، عليه الذهاب إلى تقديم تنازلات كبرى في العلاقة مع باقي المكونات.

في المحصلة، تلفت الأوساط نفسها إلى أن السلطة الإنتقالية، من حيث المبدأ، محكوم عليها الذهاب إلى مواجهة داخلية، لكنها توضح أن عليها أن تختار مع من ستخوضها، فهل ستكرر ما حصل، في الأشهر الماضية، في السويداء والساحل السوري، خصوصاً أن العلاقة مع "قوات سوريا الديمقراطية" لا تزال غير سليمة، لا سيّما أنها قد تُجر إلى ذلك، أم أنها، إنطلاقاً من التحولات التي تقوم بها، ستذهب إلى المواجهة مع الفصائل المتطرفة! وتضيف: "الأهم يبقى السؤال عن القدرة والتداعيات على العلاقة مع الخارج".