المرور بعيد دخول سيِّدتنا والدة الإله إلى الهيكل قبل الوصول إلى عيد الميلاد المجيد له معانٍ لاهوتيَّة كبيرة، لأنَّ الأعياد الكنسيَّة كلَّها هي في الأصل عيد واحد محوره الربُّ يسوع المسيح الإله المتجسِّد. حتَّى إنَّ الكتاب المقدَّس بعهدَيْهِ محوره يسوع، لهذا، نحن نقرأ العهد القديم على ضوء العهد الجديد وما كشفه لنا الروح القدس، وهذا يتمُّ بلقاء شخصيٍّ وجهًا لوجه مع يسوع، تمامًا كما حصل مع بولس الرسول الَّذي بعد أن ظهر له الربُّ وهو في طريقه إلى دمشق ليضطهد المسيحيِّين، كلَّمه وعرَّفه بفسه، ففقد بولس بصيرته لأيَّام معدودة كي لا يعود يرى إنسانه القديم، وبالتالي يميته، ومن ثمَّ عادت بصيرته إليه لمجرَّد أن وضع حنانيا يديه عليه فاعتمد وأصبح إنسانًا جديدًا. الربُّ لا يترك فرصة إلَّا ويحاول أن يلتقي فيها بكلِّ واحد منَّا بطرق مختلفة تناسب كلَّ شخص، لأنَّه يريد أن يسكن في القلوب اللحميَّة البشريَّة وليس في المعابد الحجريَّة. هذا لا يعني إطلاقًا ألَّا نشيِّد كنائس، ولكنَّ الأجدى أن نجعلها روحيَّة لا حجريَّة، لأنَّ الهيكل الأوَّل هو الربُّ يسوع المسيح الَّذي قال لليهود: «انقُضوا هذا الهيكل، وفي ثلاثة أيَّام أُقيمه» (يوحنَّا 2: 19)، وهو كان يشير في أوَّل الأمر إلى هيكل أورشليم الحجريِّ الَّذي كانوا يفتخرون به، ومن ثمَّ أشار إلى هيكل جسده بحيث سيُصلَب طوعًا ويقوم في اليوم الثالث.
مقصد كلام الربِّ هو ألَّا نلتهي بما ليس أساسيًّا وإلَّا أصبحنا حجارة مثل حجارة المعابد. كان اليهود يهتمُّون بجعل الهيكل نظيفًا ومرتَّبًا أفضل ترتيب، وأن يكون لباسهم يليق بالخدمة وما يتبعها من ترتيب ليتورجيٍّ وطقوس. هذا كلُّه يبقى من الخارج، ولكن ماذا عن قلوبهم؟ هل كانوا يهتمُّون بقلوبهم بقدر ما كانوا يهتمُّون بالهيكل؟ لو كان الأمر كذلك لما كانوا رفضوا المسيح المنتظر، لهذا قال بولس الفرِّيسيُّ بعد أن عرف الربَّ هو الخارج من وسطهم: «لأنْ لو عرفوا لَما صلبوا ربَّ المجد» (1 كورنثوس 2: 8).
إذا تتبَّعنا ما قاله بولس لوجدنا أنَّه كان يكلِّم "عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ" من فرِّيسيِّين وصدُّوقيِّين وكتبة وغيرهم وأيضًا من الأمميِّين. إذًا كان يكلِّم الجميع، وكلامه لا ينحصر في زمن محدَّد بل يمتدُّ إلى كلِّ الأزمان والأوقات ويشملنا جميعًا.
فما النفع من وجود الهياكل والمعابد إن لم يكن المسيح هو المعبود فيها. اليهود تركوا الربَّ وعبدوا أنفسهم باسم الشريعة. الأمم تركوا الحكمة وألَّهوا ذاتهم وتسلَّطوا وأصدروا أحكامًا مجحفة. كلاهما جمعهما هوى الكبرياء وعبادة الذات والخوف من الحقيقة، أو بالأحرى من الحقِّ الَّذي هو الربُّ كما قال يسوع لبيلاطس: «قد أتيتُ إلى العالم لأشهد للحقِّ. كلُّ مَن هو من الحقِّ يسمع صوتي» (يوحنا 18: 37).
حذار أن نعتبر أنفسنا بعيدين عن رفضنا للحقِّ، لأنَّ كلَّ من تكبَّر بات عدوًّا للحقِّ. والدة الإله في دخولها إلى الهيكل تعلِّمُنا أمورًا كثيرة، سنحاول أن نغرف منها في هذا المقال على قدر استطاعتنا واصفين الحدث من خلال أيقونة العيد.
الأمر الأساسيُّ في العيد أنَّ مريم العذراء الطفلة، الَّتي ستصبح والدة الإله تدخل إلى قدس الأقداس الَّذي كان خلف حجاب الهيكل، والَّذي كان يدخله رئيس الكهنة مرَّة واحدة في السنة فقط، مُدخِلًا معه دمًا كفَّارةً عن خطاياه وخطايا الشعب (عبرانيِّين 9: 7). بهذا تكون مريم تخطَّت استباقيًّا كلَّ الحواجز الَّتي سيلغيها الربُّ لحظة سفك دمائه على الصليب والَّتي هي أيضًا لحظة قيامته «فصرخ يسوع بصوت عظيم وأسلم الروح. وانشقَّ حجاب الهيكل إلى اثنين، من فوق إلى أسفل» (مرقس 15: 37-38). دخلت مريم طاهرة ونمت نقيَّة وولدت الربَّ يسوع المسح بالروح القدس دون عيب. نرى في القسم العلويِّ من الأيقونة ملاكًا يأتي لها بخبز. هذه إشارة إلى الخبز السماويِّ الَّذي هو الربُّ. هي كانت تأكل منه ونحن مدعوُّون لنتناوله تائبين في كلِّ قدَّاس إلهيٍّ لأنَّ جسد الربِّ مأكل حقٌّ ودمه مشرب حقٌّ. وجيِّد أن نعرف بعد عودة اليهود من السبي أنَّ قدس الأقداس كان فارغًا لأنَّ تابوت العهد كان قد فُقِدَ. إذًا دخلت مريم لتملأه ليأتي منها لاحقًا صاحب العيد ويعطيه المعنى اللاهوتيَّ الكامل.
زكريَّا الشيخ يستقبلها، وعلى رأسه علامة الأنبياء، وهو يمثِّل كلَّ مكرَّس وكاهن يفتح قلبه لكلمة الله ويجسِّدها في حياته محبَّة وتواضعًا وعيشًا على غرار ما فعلته والدة الإله في حياتها، هي الَّتي نراها في الأيقونة لابسة المافوريون من رأسها إلى أخمص قدميها، أي هي ملتحفة بالمجد الإلهيِّ. يقف زكريَّا على منصَّة، وكذلك مريم تسلَّقت الدرج، إشارة إلى سمُوِّ الحدث وارتباطه بالسماء. كذلك صعودها يرمز إلى ارتقائها الروحيِّ ونمُوِّها بالقداسة. هذا يذكِّرنا بما قالته في نشيدها: «أنزل الأعزَّاء عن الكراسيِّ ورفع المتَّضعين» (لوقا 1: 52).
والداها يقدِّمانها إلى هيكل الربِّ، وهذه هي دعوة للآباء والأمَّهات البيولوجيِّين والروحيِّين ليكون الربُّ هو الأوَّل في حياتهم ويقدِّموا أولادهم البيولوجيِّين وخاصَّة الروحيِّين خدَّامًا للربِّ وليس لأنفسهم. خلف مريم نشاهد النساء العذارى يتبعنها ويحملن المشاعل. قد يختلفن بين أيقونة وأخرى إلَّا أنَّ سبب وجودهنَّ هو واحد وهو الطهارة، ولا ننسَ أنَّ والدة الإله هي قدوة العذارى الطاهرات. كما أنَّهنَّ يعلنَّ أنَّ الحدث ليس شخصيًّا وعائليًّا فقط بمريم ووالديها، بل هناك شركة طهارة، الكنيسة كلُّها بأبنائها هي مدعوَّة إلى تحقيقها لكونها جماعة واحدة مقدَّسة.
المجد الإلهيُّ يلفُّ الحدث بمجمله وهذا سبب وجود الرداء الخمريِّ في الخلف الَّذي يلفُّ الهيكل، كذلك نرى حجاب الهيكل مفتوحًا بشكل نصفيٍّ، كما نراه في بعض أيقونات عيد البشارة. هذا يشير إلى بدء انكشاف سرِّ التجسُّد الإلهيِّ وإعلان السرِّ الَّذي هو مُنذُ الدهور كما نرتِّل في طروباريَّة عيد البشارة. فها العالم السماويُّ يقترب من العالم الأرضيِّ ليتَّحد به، كذلك النعمة الإلهيَّة.
ملاحظة مهمَّة: صحيح أنَّ الحدث يجري داخل الهيكل، إلَّا أنَّ الأيقونة تُظهره كأنَّه في الخارج، وهذا مفاده أنَّ الأيقونة مفتوحة بأبعادها ولا يحدُّها شيء.
أعطنا يا ربُّ أن نتبع والدة الإله وندخل قلب الربِّ فيسكن فينا.
إلى الربِّ نطلب.

























































