لم يختم بعد جُرح أهالي ضحايا إنفجار مرفأ بيروت، الذي وقع في الرابع من آب 2020، ومنذ ذاك الوقت وهؤلاء يطالبون بالعدالة حتى تستريح أنفس ضحاياهم. كان هؤلاء على موعد مع البابا لاوون الرابع عشر، الذي خصّص لهم مساحة من زيارته إلى لبنان، وكأنه أراد أن يقول لهم "أنا أشعر بوجعكهم"، فيأتي هذا اللقاء ليبلسم جراحهم التي لم تُختم منذ أكثر من خمس سنوات.
كان واضحاً علامات التأثّر التي بدت على وجه البابا لاوون، أثناء لقائه أهالي ضحايا إنفجار المرفأ، هو الذي أصر أن يلتقي عائلات "الشهداء"، وأَضاء شمعةً أمام النّصب التذكاري الّذي يحمل أسماء الضحايا، وتلا صلاة صامتة قبل أن يلتقي الأهالي.
"تكتسب زيارة قداسة البابا إلى مرفأ بيروت، الموقع الذي شهد الانفجار الكارثي، أهمية استثنائية تتجاوز الطابع البروتوكولي". هذا ما يؤكده رئيس مجلس الادارة ومدير عام مرفأ بيروت مروان النفي، في حديث لـ"النشرة"، معتبراً أنها "لحظة معنويّة عميقة تحمل دلالات إنسانيّة وروحيّة كبرى. لقد اختار أن يقف في قلب الجرح لا على أطرافه، وأن يصلّي في المكان نفسه الذي تألم فيه اللبنانيون، وكأنما أراد القول إن العالم لم يُدر ظهره لهذه الفاجعة، بل ما زال يستحضر آلامها ويواكب مسار التعافي منها".
ويشدّد النفي على أن "لهذه الزيارة أبعاداً أساسية، أبرزها: أولاً إعادة الاعتبار للمكان. فالمرفأ، على الرغم من حجم الضرر الذي أصابه، يبقى شرياناً حيوياً للبنان، وزيارة قداسته تشكل اعترافاً دولياً بأنّ هذا المرفق قادر على النهوض مجدداً ليؤدّي دوره الاقتصادي واللوجستي بما يخدم البلاد والناس. ثانياً، الدعم المعنوي للعاملين في المرفأ. نحن نعمل في بيئة تحمل أثقال الذاكرة، وتواجه تحديات النهوض. فأن يقف البابا بيننا ليصلي بصمت، فهذا يمنحنا قوّة داخلية تدفعنا إلى الاستمرار بثبات ومسؤوليّة"، لافتاً إلى أن "هناك رسالة روحية بليغة. فالصلاة الصامتة التي أقامها قداسته ليست مجرد طقس، بل فعل سلام. هي دعوة إلى التأمل، وإلى تحويل الالم إلى رجاء، والاسهام في بناء مسار جديد ينطلق من الاعتراف بالوجع لا من تجاهله".
خلال انتظار وصول رأس الكنيسة، وقف الأهالي حاملين صور أبنائهم أو أقاربهم الذين "استشهدوا" في الانفجار العاصف. الصحافية ملفين خوري، التي تضرّرت من الانفجار وأجرت عدّة جراحات، لفتت في حديث لـ"النشرة"، إلى أنها "لا تستوعب حتى اللحظة ما حصل معها اليوم، فقد أبدى البابا تعاطفاً معنا وكان ينظر الينا بكثير من التأثّر، وما شاهدته على وجهه دفعني الى أن أطلب منه أن "أغمره" وقد وافق فوراً"، وتضيف: "بارك لي الصليب الذي أحمله، والذي رافقني في كلّ الجراحات التي خضعت لها، منذ أن أُصبت في الانفجار".
"بدأنا بالتعريف عن أنفسنا وقد طالبنا بالعدالة لأنه بدون عدالة لا يوجد سلام حقيقي". هذا ما تشير اليه خوري. لافتةً إلى أنه "كان يستمع الينا ويعطينا البركة، وأصرّ أن يتعرّف على كلّ فرد فينا، واللافت أنه عندما وصل إلى أحد الاطفال الموجودين معنا ولم يعرف أن يعبّر، طلب منا البابا أن نعرّف عن الطفل ومن هو ومن فقد من عائلته أو أقاربه، وبكل ما قام به أشعرنا وكأنه يعرف حجم وجعنا ويشعر به".
بدوره، يشير وليام نون، شقيق جو نون الذي قضى في إنفجار المرفأ، إلى أن "اللقاء حمل أبعاداً كثيرة، وهناك تواصل بيننا وبين الفاتيكان عندما زرناه العام الماضي والتقينا أمين سر الفاتيكان المطران بيترو بارولين، حيث تم انشاء لجنة للتواصل بيننا وبين الكرسي الرسولي، والبابا لديه التفاصيل عن الملف". ويلفت إلى أن "حضور رأس الكنيسة معنوي ولم يختر أن تكون زيارته المرفأ مباشرة قبل القداس الالهي وأن يلتقي الاهالي هناك عن عبث، بالنسبة لي هناك رسالة وجهها البابا للمسؤولين الحاضرين في القداس أن هذا الموضوع أساسي ولن يتركه".
أما ميراي الخوري، التي خسرت ابنها الياس البالغ من العمر خمسة عشر عاماً، فتشير إلى أنه "شعور لا يوصف أن نقف في حضرة البابا"، وتضيف: "رأيت في موقفه وبلقائه بنا رسالة مباشرة بأنه يدعم قضيتنا، وقد أظهر أهمية قصوى بضرورة أن تتحقق العدالة، والسلام الحقيقي لا يتحقق دونها".
خمس سنوات مرّت على ذاك الانفجار التاريخي، وفي كل عام يقف أهالي الضحايا مطالبين بتحقيق العدالة. اليوم غادر البابا لاوون الرابع عشر لبنان، وفي مطار بيروت، أثناء مغادرته، ذكرهم قائلاً: "أحمل معي عطش عائلات ضحايا انفجار المرفأ إلى العدالة" وكأنه يقول لهم إن زيارته لهم لن تكون فقط للصورة أو السلام أو البركة، بل إنه سيتابع "ملفهم" حتى تحقيق العدالة...
























































