في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، يعود النقاش حول مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان إلى الواجهة، وخصوصاً احتمال انتشار قوات دولية جديدة خارج إطار "اليونيفيل"، عند انتهاء مهمة هذه الأخيرة، وفق القرارت الدولية المتخذة، عام 2027. هذا النقاش لا ينطلق من فراغ، بل يستند إلى مؤشرات سياسية وأمنية أوروبية وأميركية ولبنانية، تطرح أسئلة جدية حول طبيعة المرحلة المقبلة وحدود التغيير الممكن.
أوروبياً، برز في الآونة الأخيرة كلام علني، لا سيما من فرنسا وبريطانيا وإسبانيا، عن رغبة هذه الدول في الإبقاء على حضور عسكري لها في جنوب لبنان، خارج المظلة التقليدية لـ"اليونيفيل"، فبريطانيا لا تشارك اصلاً في عداد هذه القوة، ولكن الكلام يدور حول امكان مشاركتها ضمن اطار دولي جديد. هذا الموقف يعكس قلقاً أوروبياً مزدوجاً نابع من فراغ أمني قد ينشأ في حال انسحاب القوات الدولية الحالية، ومن جهة أخرى، من الرغبة في حماية الاستثمارات السياسية والعسكرية التي راكمتها الدول على مدى عقود في الجنوب اللبناني. الطرح الأوروبي لا يبدو موجهاً ضد لبنان بقدر ما هو محاولة لإعادة صياغة الدور الدولي بما يتلاءم مع معادلات جديدة، أقل تقييداً بإجراءات الأمم المتحدة وأكثر مرونة في الحركة والتفويض، والاهم ان هذا ما يريده ويسعى اليه الاميركيون الذين لا يفوتون فرصة الا ويشددون باتجاه "تدويل أوسع" للأمن في المنطقة. فالكلام الأميركي عن تشكيل قوى متعددة الجنسيات لحفظ الاستقرار في غزة، لا ينحصر فقط هناك، ويكفي الاستماع الى تصريحات الرئيس الاميركي دونالد ترامب لاستشراف التصور الاميركي المقبل للمنطقة، والذي يعكس تصوراً يقوم على إدارة الأزمات عبر تحالفات أمنية خارج الأطر الأممية التقليدية. وفي هذا السياق، تحدث ترامب بالامس حول استعداد عشرات الدول (59 دولة) للمشاركة في قوة تحفظ الأمن وتساعد على الاستقرار في غزة، كمؤشر إلى توجه سياسي يعتبر أن الأمم المتحدة لم تعد الإطار الأكثر فاعلية لمعالجة النزاعات المعقدة في الشرق الأوسط. او حتى في غيرها من الدول (على غرار الحرب بين اوكرانيا وروسيا).
داخلياً، يسجَّل أن لبنان قام بخطوات يمكن اعتبارها من قبل البعض صغيرة، ولكنها لمن يدرك الواقع اللبناني، تعتبر جبّارة وضخمة جداً، تلاقي المسار المطروح دولياً. فتعيين عضو مدني في لجنة "الميكانيزم"، واستمرار الجيش اللبناني في تنفيذ مهامه جنوباً رغم الصعوبات، إضافة إلى الجولات الميدانية المكثفة للسفراء والملحقين العسكريين الدوليين، والاهم الكلام الصادر عن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام و"سكوت" رئيس مجلس النواب نبيه بري عن اعتماد التفاوض والحوار كوسيلة لحل النزاع مع اسرائيل، كلها إشارات إلى رغبة رسمية في تثبيت دور الدولة كشريك أمني موثوق. كما أنّ إعادة التأكيد السياسي على حصر السلاح بيد الدولة، ولو تجلت صعوبات كبيرة في تنفيذه بشكل كامل بسبب التعنت الاسرائيلي، يندرج في سياق طمأنة المجتمع الدولي وفتح الباب أمام صيغ دعم جديدة.
انطلاقاً من ذلك، يُطرح احتمال أن تكون القوات الدولية غير الملحقة بالأمم المتحدة بمثابة عنصر مساعد للجيش اللبناني، وفي الوقت نفسه ضمانة أمنية لإسرائيل لجهة استتباب الاستقرار على حدودها الشمالية. هذا الدور المزدوج، إذا ما تحقق، قد يشكل مدخلاً لتسريع الخطوات السياسية والأمنية نحو تفاهم أو اتفاق مع لبنان، بفعل الظرف الإقليمي الضاغط والرغبة الدولية في خفض منسوب التوتر.
مع ذلك، تبقى حظوظ هذا السيناريو مرهونة بعوامل عدة، أبرزها الموقف الاسرائيلي والضغط الاميركي على تل ابيب، وطبيعة التفويض الممنوح لأي قوة جديدة. فنجاح أي انتشار دولي بديل لن يتحقق فقط بقوة السلاح أو الضمانات الخارجية، بل بقدرته على الاندماج في معادلة سيادة لبنانية، وعلى تجنب التحول إلى عنصر صدام بدلاً من أن يكون أداة استقرار.