أشار وزير المالية ياسين جابر، إلى أن "وطننا يمر في مخاض مصيري، فلنستمد من ذاكرة الأيام العصيبة التي مررنا بها خلال الحرب، وما عشناه من ويلاتها العبر، ولنتوحد حول درء المخاطر عن بلدنا".
كلام جابر جاء خلال إحياء إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية "الريجي" في "سيسايد بافيليون" في بيروت الذكرى التسعين لتأسيس، وأطلقت كتابها التوثيقي "تسعون" برعاية رئيس مجلس النواب نبيه بري ممثلا بوزير المالية.
وقال جابر: "ليكن رهاننا رهان الشجعان على تماسكنا كما تتماسك عناصر إنتاج هذه المؤسسة الناجحة وتتكامل، لنحقق الاستقرار ونحمي سيادتنا ونحفظ لهويتنا إرثها الغني الذي نعتز به. فمن فقد سيادته وأضاع هويته، لم يفقد روح الانتماء التي ترفع من شأن المجتمعات وتقدمها وازدهارها وحسب، إنما يستوي وجودها من عدمه".
وأوضح جابر أن الريجي "تجربة يُسجل لها انها انتقلت مع عدد من المزارعين والإداريين المحدودي العدد وبعض الآلات التقليدية، إلى واحدة من أهم المؤسسات الوطنية، التي تجمع تحت جناحيها مزارعين صامدين في أرضهم عند تخوم الوطن، في الجنوب وبعض مناطق البقاع والشمال، كما تجمع زنوداً صناعية وطاقات علمية ابتكارية، وكفاءات إدارية انصهرت جميعها في دورة إنتاج زراعية وصناعية وتجارية وتنموية وربحية، موفّرة فرص عمل لمئات العاملين المكافحين، والمختصين المبدعين".
وأكد أن الريجي "هي الأولى بين مؤسسات الدولة في رفد الخزينة العامة بإيرادات، تُحتسب في دفاترها المحاسبية، على انها مورد وازن من مؤسسة ناجحة، لا عبئاً من مؤسسة تستنزف الخزينة خسائر، وإن سُميّت سلفات حين ينعدم الأمل باسترجاعها".
ورأى جابر أن الريجي "لم تكتف بدورتها الإنتاجية المحصورة، بل وسّعت آفاقها إلى المجال الذي يثبّت المواطن في أرضه ويُحسّن مستوى معيشته، وإن بدأت بمد يد المساعدة لبعض المشاريع الإنمائية لدعم ترسيخ الناس في أرضهم، فإنها لم تتوقف عند المنح الدراسية للمتفوقين والمبدعين في بعض المجالات الثقافية والفنية".
وأضاف "في مناسبة سابقة قلنا انه يصّح على هذه المؤسسة اسم أكثر تعبيراً، هو إنتاج وصمود وتنمية، واليوم وكل يوم تثبت صوابية هذه التسمية بمعانيها كافة، حيث يأتي إطلاق الكتاب التوثيقي اليوم ليظهّر تطور الريجي في تاريخها ويحمي ذاكرتها، ويثري الحاضر والمستقبل".
واعتبر أن "الذاكرة هي مسار يؤشر إلى تعافي الإنسان والمجتمع، والذاكرة الوطنية هي رهان الشجعان في حماية الهوية والسيادة".
وتابع جابر: "لا يخفى على أحد ان صاحب الرعاية رئيس المجلس النيابي الذي يولي مؤسستكم اهتماماً خاصاً اليوم وأمس وقبل أمس ودائما، لما تمثل من ركائز صمود وإنماء، والذي حملني إلى حفلكم الكريم تحية خاصة، لا يتوانى عن بذل كل جهد وحمل المسؤولية بكل تعقيداتها ومخاطرها، بالموقف المتكامل مع رئيسي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام لاسترجاع السيادة كاملة ولحفظ الهوية الوطنية والتي بها وحدها تتمثل قوة النسيج الوطني والدولتي والمؤسساتي الأمني والاقتصادي والاجتماعي، حيث تعجز عن اختراقه كل مكائد الطامعين".
بدوره، وصف مدير عام "الريجي" وصيف سقلاوي في كلمته إحياء العيد التسعين وإطلاق الكتاب بأنه "احتفاء بمسيرة مؤسساتية راسخة في خدمة لبنان واقتصاده".
واعتبر أن حضور جابر ممثّلًا بري، "تأكيدٌ على الرعاية الوطنية التي حظيت بها هذه المؤسسة، وعلى الثقة بدورها كإحدى الركائز الاقتصادية للوطن، وترسيخٌاً للعلاقة التي تربط الريجي بوزارة المالية كسلطة وصاية".
وقال: "في عام الريجي التسعين، لا نقف هنا لنحتفل ووطننا ينزف، بل لأننا نملك قصة تستحق أن تُروى. قصة مرفق عام صمد عندما انهارت المرافق الأخرى، ونهض عندما تعب الوطن، وساهم بتمويل الخزينة عندما جفّت مصادر الدولة".
وذكّر بأن مسيرة أعوام "الريجي" التسعين "بدأت عام 1935 في زمن الانتداب، ونمت مع الاستقلال، وازدهرت مع بناء الدولة يوم افتتح الرئيس الراحل كميل شمعون مركزها الرئيسي في الحدت، ثم واجهت، كما الوطن، فصول تسعين عاما ًمن الحربٍ والسلم، من الانهيار والنهوض".
وتابع سقلاوي قائلاً: "من بيوتٍ تفوح منها رائحة أوراق التبغ والتنباك، خرج أطباء ومهندسون ومحامون، فكان الإنجاز الزراعي أول إنجازات الريجي، حين أُعيد توزيع الرخص الزراعية بعدل، لتعيش اليوم خمسة وعشرون ألف عائلة من هذه الزراعة بكرامة".
لكنه شدّد على أن "هذا المسار الزراعي لم يكن ليكتمل، لولا العلاقة التي بُنيت مع المزارعين أنفسهم"، مشيراً إلى أن "الريجي نسجت علاقة وثيقة مع نقابات مزارعي التبغ، علاقة شراكة قائمة على الثقة والحوار".
وأكّد سقلاوي أن "الريجي تمكنت من تجاوز الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، وحقّقت إيرادات صافية لخزينة الدولة فاقت 3 مليارات دولار بين عامي 2015 و2024، وبلغت الإيرادات الصافية في العام 2024 وحده 402 مليون دولار".
وأضاف: "كما وعدنا فخامة رئيس الجمهورية في آخر لقاء معه، نتوقع ان تلامس عائداتنا الصافية هذا العام 500 مليون دولار".
وشدّد سقلاوي على أن "هذه النتائج لم تكن أرقامًا فقط، بل حكاية إدارة آمنت بالإنسان، واستثمرت فيه قبل أي شيء آخر، فاعتمدت الريجي نموذجاً مغايراً في الإدارة العامة، فرشّقت هيكليتها، واعتمدت على مبدأ الشراكة مع القطاع الخاص. وخفّضت عدد العاملين من خمسة آلاف موظف في السبعينيات إلى أقل من 700 عبر ثقافة التدريب بالتعاون مع معهد باسل فليحان المالي إضافة إلى بناء علاقة تكاملية مع نقابة عمال الريجي ".
وتابع: "من هنا، تخطّى دور الريجي الاقتصاد والصناعة، ليدخل في صلب الدور الاجتماعي، فكانت حيث يجب أن تكون الدولة فعلًا، إلى جانب الناس، والمزارعين، والمصانع الوطنية بالفعل والمسؤولية. دعمنا المزارعين، ثبّتناهم في أرضهم، ووقفنا إلى جانبهم في الحرب كما في السلم".
وأشار في هذا الإطار إلى أنها "أطلقت سلسلة مشاريع تنموية مع البلديات حيث نُفّذ 246 مشروعاً إنمائيًا في القرى التبغية، وكانت السباقة – بل الوحيدة – في عكّار، ووقفت إلى جانب المؤسسات العسكرية، ، حيث بلغ اجمالي المساعدات في اطارة المسؤولية المجتمعية حوالي 20 مليون دولار".
وإذ ذكّر بـ"ثقة فخامة رئيس الجمهورية، الذي وضع هذه المؤسسة في موقع المثال الوطني، ورعاية رئيس المجلس النيابي بري، الذي صنفها كنموذج يسبح عكس تيار الدولة، وتقدير رئيس الحكومة"، أعرب عن تطلع "الريجي" إلى "تعاون مثمر مع معالي وزير المالية الأستاذ ياسين جابر خلال الفترة المقبلة".






























































