في توقيتٍ مفصليّ بالغ الحساسية، تتداخل فيه الحسابات العسكرية بالضغوط السياسية، وتختلط رهانات الاحتواء باحتمالات التصعيد، وعشيّة انتهاء ما سُمّيت "المهلة الأميركية-الإسرائيلية" أمام الحكومة اللبنانية لاتخاذ إجراءات "ملموسة" على خطّ نزع سلاح "حزب الله"، جاء خطاب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم لافتًا للانتباه، وإن كانت خلاصته مألوفة إلى حدٍّ كبير، وقد اختصرها كثيرون بعبارة: "لا تطلبوا منّا شيئًا اليوم".
وبينما فُسِّرت هذه العبارة ردًّا ضمنيًا على حديث رئيس الحكومة نواف سلام الأسبوع الماضي عن الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة "حصر السلاح" شمال الليطاني مع بداية العام الجديد، بدا الخطاب في مجمله أقرب إلى قراءة سياسية واقعية للمرحلة منه إلى إعلان خيارات نهائية. فقد اتسم بنبرة هادئة نسبيًا مقارنة بمحطات سابقة، وخلا من أيّ إعلان مواجهة، على الرغم من التهديدات الإسرائيلية المتكرّرة بتصعيدٍ في الأيام المقبلة.
لم يصعّد "حزب الله" خطابه ولم يرفع السقف ضد إسرائيل، لكنه في الوقت نفسه لم يفتح الباب لأي مسار تسووي، متمسكًا بمبدأ رمي الكرة في ملعب تل أبيب: عليها أولًا أن توقف عدوانها وأن تنسحب من النقاط التي احتلتها، عملًا باتفاق وقف إطلاق النار. بهذا المعنى، يبدو الخطاب محاولة لإدارة مرحلة دقيقة بهوامش ضيقة، يدرك الحزب، كما سائر القوى اللبنانية، أن أي خطأ في تقديرها قد يفضي إلى تداعيات يصعب احتواؤها.
قد يكون الشيخ قاسم سعى إلى تثبيت معادلة قوامها إدارة المخاطر، انطلاقًا من قناعة بأن المشهد الإقليمي لا يزال في طور التشكل، وأن أي اندفاع غير محسوب قد يجرّ الحزب ولبنان معًا إلى مسار غير قابل للضبط. فكيف يُقرأ الخطاب بصورته الكلية؟ وأي رسائل حملها للداخل والخارج على حد سواء؟ وعلامَ يراهن الحزب تحديدًا وسط كل ذلك؟.
لا شكّ أنّ ملف "حصرية السلاح" تصدّر الخطاب، وهو الملف الذي تحوّل، منذ انتهاء الحرب الإسرائيلية الأخيرة أو تحوّلها إلى حرب أحادية، إلى نقطة الاشتباك الأبرز في الداخل اللبناني، توازيًا مع ضغط خارجي يتقدّمه الأميركي والإسرائيلي للمضيّ في سحبه. يرفض الحزب ذلك باعتباره تنازلًا عن "نقطة قوة" للبنان، فيما يرى خصومه أنّ الحرب الأخيرة أثبتت "عدم جدواه"، بعدما تكبّد الحزب بنتيجتها خسائر كبيرة لم يكن يتوقّعها.
صحيح أن الشيخ قاسم لم يذهب إلى رفض النقاش بالمطلق، لكنه أعاد ربطه بسياقه الأمني والسياسي، معتبرًا أن الأولوية المطلقة اليوم هي وقف العدوان الإسرائيلي أولًا، وأن فتح هذا الملف فيما الجنوب تحت النار لا يعدو كونه قفزًا فوق الوقائع الميدانية. هنا لا يكتفي الحزب بالدفاع عن موقفه، بل يحاول إعادة ترتيب جدول الأولويات: تأجيل النقاش لا يعني إسقاطه، لكنه أيضًا ليس قبولًا بتحويله إلى أداة ضغط فورية تُستخدم لفرض شروط تحت التهديد.
من هذه الزاوية، يمكن فهم عبارة "لا تطلبوا منّا شيئًا بعد الآن" كخطّ فاصل بين ما يعتبره الحزب نقاشًا مؤجّلًا "مشروعًا"، وما يراه فرضًا لشروط سياسية وأمنية. لذلك، يمكن قراءة الموقف بوصفه محاولة لامتصاص الضغوط السياسية المتزايدة من دون فتح اشتباك داخلي شامل. فالحزب، في هذه المرحلة، لا يبدو في وارد نقل الصراع من الجبهة الجنوبية إلى الداخل، بل يسعى إلى تجميد الاشتباك السياسي أو خفض منسوبه بانتظار اتضاح الصورة الإقليمية.
خارجيًا، حمل الخطاب رسائل مدروسة إلى إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة. فالتموضع الذي اعتمده الشيخ قاسم بدا قائمًا على خط رفيع يفصل بين الردع وإدارة المخاطر: تأكيد حق الدفاع، وربط أي مسار سياسي بوقف الاعتداءات، من دون رسم خطوط حمراء جديدة أو إطلاق تهديدات مباشرة. وهذه مقاربة تبدو مقصودة بذاتها، لأن اللغة العالية السقف قد تُغلق هوامش المناورة، فيما المقاربة الرمادية تسمح بتعديل الموقف وفق تطوّر الميدان.
هذا التموضع يعكس إدراك الحزب أنّ إسرائيل تحاول، منذ أشهر، تكريس معادلة جديدة تقوم على توسيع هامش حركتها العسكرية في لبنان تحت عنوان "حرية الحركة"، التي فرضتها بحكم "الأمر الواقع" بعد اتفاق وقف إطلاق النار، مستندة إلى غياب رادعٍ فعلي وافتقار المشهد الدولي إلى مظلة ضغطٍ كابحة. من هنا، يسعى الحزب إلى كسر هذه المعادلة سياسيًا، أو على الأقل منع تثبيتها كأمر واقع دائم، من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تكون كلفتها باهظة.
اللافت أن الخطاب خلا من لغة التصعيد اللفظي التقليدية، رغم اقتراب مواعيد يُقال إن ما بعدها قد يحمل تصعيدًا "حتميًا". ويبدو أن الحزب يفضّل إبقاء خياراته مفتوحة، ليس بالضرورة بسبب عدم جهوزيته العسكرية كما يقول خصومه، بل أيضًا انطلاقًا من قناعة متزايدة بأن المرحلة المقبلة قد تحمل أكثر من سيناريو: من احتواء نسبي طويل، إلى تصعيد محدود ومدروس، وصولًا إلى مواجهة أوسع إذا فشلت كل مسارات الضبط.
في كل الأحوال، لا يمكن فصل الخطاب عن التطورات الميدانية على خط الجبهة الجنوبية المفتوحة على كل الاحتمالات منذ اتفاق وقف إطلاق النار، الذي أوقف كل شيء إلا النار. فالاعتداءات مستمرة، والتهديدات بالعودة إلى الحرب تتكرّر، ما يدفع إلى سؤالٍ يتداول كثيرًا: إذا كانت إسرائيل قادرة على تنفيذ ضربات واغتيالات من دون أن تدفع أثمانًا جدّية، فلماذا تغيّر هذا النمط؟ ولماذا تُغامر بالانتقال إلى مواجهة أوسع إذا كانت "الحرب القائمة" بصيغتها الحالية تمنحها ما تريد؟.
هذا السؤال يدخل في حسابات الحزب نفسه، فالتصعيد الإسرائيلي الواسع قد يكون مرتبطًا بتحوّلات سياسية أو حسابات داخلية لدى حكومة تل أبيب، أو برغبة في فرض وقائع جديدة قبل أن تتبدّل شروط الإقليم. وفي المقابل، يبقى لبنان الحلقة الأضعف: الدولة تحاول إدارة المخاطر بأدوات دبلوماسية محدودة، بلا ضمانات دولية واضحة تمنع الانزلاق، و"الحزب" يتحرّك ضمن هامش ضيق، يريد منع فرض وقائع جديدة عليه، لكن من دون دفع الأمور إلى نقطة اللاعودة.
في المحصلة، يمكن قراءة خطاب الشيخ قاسم كمحاولة جدّية لكسب الوقت في مرحلة شديدة الضبابية: لا تصعيد شاملًا ولا تهدئة كاملة، بل تثبيت توازن هشّ بانتظار اتضاح اتجاه الرياح الإقليمية والدولية. لا يعني ذلك غياب الاستعداد، بقدر ما يعكس قناعة بأن اللحظة الراهنة لا تحتمل قرارات كبرى، وأنّ أي اندفاع غير محسوب قد يجرّ الحزب ولبنان معًا إلى مسار غير قابل للضبط.
وبين جنوبٍ يغلي على نار هادئة وداخل مأزوم سياسيًا واقتصاديًا، يبدو لبنان وكأنه يحاول عبور الأسابيع الأولى من العام الجديد بأقل الخسائر الممكنة، ريثما تتضح صورة المرحلة المقبلة: هل تتجه نحو احتواء طويل الأمد، أم نحو مواجهة مؤجّلة تبحث عن توقيتها المناسب؟ في الحالتين، يبقى السؤال الأثقل: هل ينجح تكتيك "إدارة المخاطر" في منع الانفجار، أم تتحوّل إلى مجرد تأجيلٍ مكلف لمواجهة تتقدّم ببطء؟.