لا تبدو الضربة الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت الجناح وخلدة، في قلب العاصمة بيروت وعلى مداخلها الجنوبية، كغيرها من الضربات الليلية التي دأبت على تكثيفها في الآونة الأخيرة، في محاولة لجعل الناس في حالة قلق دائم، ولإيصال رسالة واضحة مفادها أنّ "لا مكان آمنًا"، وأنّ تل أبيب قادرة على الضرب في أيّ مكان، من دون أن تكترث لخطوط تماس أزالت عنها اللون الأحمر.
لكن، هذه المرة، يبدو أنّ الإسرائيليين وجدوا "هدفًا نوعيًا" جديدًا داخل "حزب الله"، مع الإعلان عن استهداف قادة ميدانيين ونوعيين في قلب العاصمة ومحيطها، قبل أن تكشف بعد ساعات عن القضاء على من وصفته بـ"قائد جبهة الجنوب" في الحزب، يوسف إسماعيل هاشم، ليتقاطع هذا الإعلان مع منشورات ناعية للرجل، وقد أرفقت اسمه بوصف "القائد الجهادي الكبير"، وهو الذي يمنَح في العادة لقادة الصف الأول.
وحتى لو لم تتأكد كل تفاصيل الرواية الإسرائيلية أو هوية جميع المستهدفين، فإن مجرد الإعلان بهذا المستوى يكفي ليجعل الحدث أكبر من واقعة أمنية عابرة، ويفرض تساؤلات جوهرية حول التوقيت والدلالات الأمنية، خصوصًا أنّ تل أبيب بهذه العملية، لا تقدّم إنجازًا عسكريًا فحسب، بل تحاول تكريس انطباع مفاده أن بنية "حزب الله" ما تزال تحت مجهر التعقب الدقيق، في لحظة دقيقة أضحى معها كل خرق أمني رسالة سياسية بامتياز.
وإذا كان مبالغًا به البناء على هذا الاغتيال المستجدّ للحديث عن "تفكيك" الحزب أو "انهياره"، وهو ما لا يبدو منطقيًا، ولا منسجمًا مع الوقائع الميدانية على الأرض، خصوصًا على مستوى قرى الحافة الأمامية في الجنوب، حيث تعلن إسرائيل عن قتلى وجرحى في صفوف قواتها، فإنّ ذلك لا يمكن أن يمنع السؤال "المنطقي" عن أسباب استمرار خروق من هذا النوع داخل بيئة الحزب، وبالتالي القدرة على الوصول إلى قادة الصف الأول رغم كلّ الإجراءات والتدابير.
أبعد من ضربة أمنية
على أهمية الشخصية المستهدَفة في ضربة الجناح، فإنّ القيمة الحقيقية لهذا الاغتيال لا تكمن في رتبته أو اسمه فحسب، بل في كونه يثبت أن "باب الخرق" داخل بنية الحزب لم يُقفل بعد، حتى بعد الضربات الكبرى التي طالت الهرم القيادي الأول، منذ ما قبل اغتيال زعيمه التاريخي أمينه العام الأسبق السيد حسن نصر الله وحتى اليوم، إذ إنّ الاستمرار في النفاذ إلى مستويات قيادية وحساسة يوحي بأن آليات التعقب الإسرائيلية ما تزال تملك القدرة على اختراق إجراءات التحصين المشددة، محولةً معركة الاستنزاف الأمنية إلى تحدٍّ دائم يواجه الحزب.
وفي هذا السياق، يصبح التوقيت جزءًا من الاغتيال نفسه، فهو يأتي بالتوازي مع تصاعد الضغوط، سواء على المستوى العسكري أو السياسي. بهذا المعنى، لا يمكن فصل عملية الاغتيال الأخيرة عن المناخ العام الذي يحيط بلبنان، فهي جاءت بالتوازي مع توسيع الجغرافيا النارية لتشمل العمق البيروتي، وتتصاعد معها نبرة الخطاب الأميركي والغربي حول ضرورة تغيير المعادلات السياسية والميدانية. ولذلك يُقرَأ الحدث كجزء من ضغط مركب يهدف إلى إحداث حالة من الإنهاك الشامل في الداخل اللبناني، وتحديدًا في بيئة "حزب الله".
وإذا كانت إسرائيل تريد القول إن الضغط لا يمارس فقط بالنار على الجبهة أو بتدمير القرى، بل بتعميق شعور الحزب بأنه ما يزال مكشوفًا أمنيًا في أكثر لحظات استنفاره، فإنّ دلالاتها تتعاظم حين تضرب أكثر من عصفور بحجر، فهي حين تنجح في الوصول إلى كادر قيادي في خلدة أو الجناح، تضرب أيضًا رمزية "المنطقة الخلفية" وتجعل من كل تحرك قيادي مخاطرة غير مأمونة النتائج.
ماذا يقول استمرار الخرق؟
علاوة على ذلك، يتقاطع الاغتيال مع محاولات دولية لفرض وقائع سياسية جديدة تحت ضغط الميدان. فتوقيت الضربة يوحي برغبة إسرائيلية في تقديم "أوراق قوة" إضافية للمفاوض الإسرائيلي أو الدولي، مفادها أن التفوق الاستخباري ما زال هو الحاكم للمشهد، وأن القدرة على استئصال الرؤوس القيادية مستمة بلا عوائق زمنية أو جغرافية. إنها عملية "تسييس للنار" تهدف إلى رفع سقف المطالب في أي ترتيبات مستقبلية تخص الساحة اللبنانية.
في المقابل، يطرح استمرار الخروق سؤالاً مقلقاً حول فاعلية الإجراءات الأمنية التي يُفترض أن الحزب رفعها إلى حدها الأقصى بعد اغتيال السيد حسن نصر الله. فهذه العملية أثبتت استمرار القدرة الإسرائيلية على تتبع حركة القادة حتى في مناطق مكتظة وحساسة كالجناح وخلدة، وهو ما يعني أن التفوق التكنولوجي والبشري الإسرائيلي ما يزال يملك منافذ للخرق، وبالتالي أن معركة "العيون المفتوحة" تميل كفتها حتى الآن لصالح الاستخبارات الإسرائيلية.
غير أن هذا المعطى لا ينبغي أن يُقرأ بصورة ميكانيكية. فوجود الخرق لا يعني بالضرورة أن البنية التنظيمية كلها مكشوفة أو منهارة، تمامًا كما أن نجاح الحزب في الاستمرار بالقتال لا ينفي عمق الأذى الذي تسببه مثل هذه الضربات. الأدق ربما هو القول إن الحزب يعيش حالة مزدوجة، ففي الوقت نفسه الذي يعيش فيه اغتيالات في العمق، يدير اشتباكات ضارية في الجنوب ويوقع خسائر في صفوف النخبة الإسرائيلية. هذه المفارقة تؤكد أننا أمام "جهازين" يعملان بالتوازي: جهاز قيادي يعاني من ضربات أمنية موجعة، وجهاز تشغيلي ميداني ما يزال يمتلك مخزوناً كبيراً من المبادرة والسلاح والقدرة على تعطيل الأهداف البرية لإسرائيل.
كيف يقرأ "حزب الله" المستجدات؟
استنادًا إلى ما تقدّم، يصبح واضحًا وفق قراءة موضوعية ومتوازنة، أنّ "حزب الله" يعيش فعليًا حالة "انكشاف موجع" لكنها لم تصل إلى حد "العجز البنيوي"، وهو ما يفرض على قيادته إعادة تقييم دائمة لبيئته الأمنية وآليات التواصل والحركة، بينما تحاول إسرائيل استثمار هذا الانكشاف للإيحاء بأن اليد التي طالت الصف الأول ما تزال قادرة على الوصول إلى كل مفاصل التنظيم.
وإذا كان صحيحًا أنّ الحديث عن انهيار ينطوي على مبالغة في القراءة، فإنّه من الخطأ الفادح في المقابل، التعامل مع اغتيال قادة ميدانيين كأنه تفصيل عابر في حرب كبرى. الحقيقة تقع في المنطقة الوسطى، فالضربة هي خسارة نوعية تضعف الخبرة الميدانية في قطاعات حساسة كجبهة الجنوب، لكنها لا تنهي "المؤسسة العسكرية" التي تعتمد نظام الأقاليم والوحدات المستقلة.
الأرجح أن الحزب يقرأ هذا النوع من الاغتيالات بوصفه جزءاً من ضريبة حرب الاستنزاف الطويلة. هو يدرك أن عدوه يمتلك تفوقاً تقنياً هائلاً، لكنه يراهن في المقابل على "النفس الطويل" وعلى قدرة المقاتل في الميدان على التعويض عن غياب القائد. بالنسبة للحزب، فإن البقاء في الميدان والاستمرار في إطلاق الصواريخ وتكبيد العدو خسائر بشرية، هو الرد العملي الذي يهدف إلى امتصاص أثر الاغتيالات ومنعها من التحول إلى هزيمة نفسية أو سياسية.
في المحصلة، لا يكمن خطر الاغتيال الأخير في فقدان كادر أو اثنين، بل في تأكيد استمرارية التفوق الاستخباري الإسرائيلي وقدرته على تجاوز كل الخطوط الحمراء الجغرافية. وبين قدرة إسرائيل على اصطياد القيادات، وقدرة الحزب على مواصلة الاستنزاف الميداني، تتكرّس معادلة حرب مفتوحة لا يحسمها اغتيال واحد، لكنها تكشف أن باب الخرق الأمني ما يزال مفتوحًا، وأن هذا الباب هو أحد أخطر ميادين المواجهة اليوم.























































