أشار وزير الخارجية الإيرانية السابق محمد جواد ظريف، في مقاله ضمن مجلة "شؤون خارجية"، إلى أنه "على مدى العقدين الماضيين، اتسمت منطقة غرب آسيا باضطرابات مستمرة، حيث سعى الفاعلون الإقليميون والدوليون إلى تأمين مصالحهم من خلال الوسائل العسكرية"، موضحاً أنه "مع ذلك، فإن النتيجة لم تكن استقراراً، بل دوامة من العنف والدمار"، معتبراً أن "الفشل الذريع للولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، والحروب المستمرة في غزة ولبنان، تسلط الضوء على حقيقة جوهرية في عصرنا الحالي: وهي أن التفوق العسكري لم يعد يترجم تلقائياً إلى نجاح سياسي".
ورأى ظريف أنه "نحن نعيش في ما أسميه العالم ما بعد الغربي"، لافتاً إلى أن "هذا لا يعني أن الغرب قد اختفى أو أن قوته قد تلاشت تماماً، بل يعني أن الغرب لم يعد هو المكان الوحيد الذي تُتخذ فيه القرارات العالمية أو تُصنع فيه الأحداث الجيوسياسية. في هذا العالم الجديد، تمتلك دول مثل إيران خيارات استراتيجية أوسع، ولكنها تواجه أيضاً مخاطر أكثر تعقيداً".
وأوضح ظريف أنه "لطالما كان يُنظر إلى منطقة غرب آسيا من خلال عدسة القوة الصلبة، حيث تُقاس الهيمنة بعدد القوات والقواعد والقدرات العسكرية، ولكن العقدين الماضيين قدما درساً بليغاً في محدودية القوة العسكرية، معتبراً أنه "من الغزو الأميركي للعراق وأفغانستان إلى الصراعات الحالية التي تمزق المنطقة، بات من الواضح أن التفوق التكنولوجي والعسكري لم يعد كافياً لتشكيل النتائج السياسية الدائمة".
وأشار إلى أنه "بالنسبة لإيران، فإن التحدي الاستراتيجي لا يتمثل فقط في مواجهة التهديدات المباشرة، بل في كيفية إنهاء حالة الحرب الدائمة بطريقة تحفظ سيادتها وتؤمن مستقبلها في نظام عالمي يمر بتحول جذري"، قائلاً: "نحن لم نعد نعيش في عالم تقوده قوة عظمى واحدة تملي إرادتها على الآخرين؛ بل نحن في عالم ما بعد الغرب، حيث تتوزع القوة وتتعدد الأقطاب، وحيث تمتلك الدول الإقليمية القدرة على التأثير في مسار الأحداث بشكل لم يسبق له مثيل."
واعتبر ظريف أن "الفهم الصحيح لإنهاء الحرب يبدأ بالاعتراف بأن مفاهيم الأمن القديمة قد فشلت. لسنوات، حاولت الولايات المتحدة وحلفاؤها عزل إيران من خلال سياسة "الضغط الأقصى"، مفترضين أن العقوبات الاقتصادية والتهديدات العسكرية ستؤدي في النهاية إلى تغيير سلوك النظام أو انهياره من الداخل. لكن هذه السياسة لم تؤدِ إلا إلى زيادة التوتر وتعزيز إصرار إيران على تقوية قدراتها الردعية".
ولفت إلى أن "إسرائيل، من جانبها، تبنت استراتيجية تهدف إلى تقويض نفوذ إيران الإقليمي عبر سلسلة من الاغتيالات والضربات الجوية التي تستهدف ما تسميه "محور المقاومة"، ومع ذلك، فإن هذه التكتيكات تتجاهل حقيقة أن المقاومة في المنطقة ليست مجرد مشروع إيراني، بل هي ظاهرة ولدت من رحم الاحتلال والتدخلات الأجنبية والشعور المتجذر بالظلم"، مؤكداً أن "القضاء على القادة أو تدمير البنية التحتية قد يحقق مكاسب تكتيكية قصيرة الأمد، لكنه لا يعالج الدوافع السياسية والاجتماعية التي تغذي هذه الحركات".
وأكد أن "إنهاء الحرب يتطلب الخروج من فخ الاستقطاب الذي قسم المنطقة إلى معسكرات متعادية"، معتبراً أن "فكرة "الأمن الإقصائي"، أي تحقيق أمن طرف على حساب أمن طرف آخر، هي وصفة لعدم الاستقرار الدائم"، مشيراً إلى أنه "يجب على دول المنطقة أن تدرك أن الاستقرار لا يمكن استيراده من الخارج، وأن الاعتماد على القوى العظمى لتوفير الحماية هو وهم أثبت التاريخ فشله".
ولفت إلى أنه "بدلاً من ذلك، تدعو إيران إلى نظام أمن إقليمي شامل يعتمد على الحوار والتعاون بين دول المنطقة نفسها"، مشيراً إلى أن "هذا النظام يجب أن يستند إلى مبادئ الاحترام المتبادل للسيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والاعتراف بأن أمن أي دولة في المنطقة مرتبط بشكل وثيق بأمن جيرانها".
وشدد على أن "إيران تدرك جيداً أن الردع في القرن الحادي والعشرين لا يقتصر على تكديس الأسلحة التقليدية"، موضحاً أن "ردعنا يستمد قوته من ثلاثة ركائز أساسية: أولاً، الصمود الشعبي، حيث أثبت الشعب الإيراني قدرة فريدة على تحمل الضغوط الخارجية دون التنازل عن كرامته الوطنية. ثانياً، العمق الاستراتيجي والعلاقات مع الشعوب والجهات الفاعلة في المنطقة التي تشترك معنا في رفض الهيمنة. ثالثاً، التقدم التكنولوجي الذاتي في مجال الدفاع، والذي تطور تحت وطأة الحصار والعقوبات".
ولفت إلى أن "الهجمات التي استهدفت منشآتنا وقياداتنا لم تضعف إرادة إيران، بل أكدت صوابية استراتيجيتنا في تنويع أدوات الردع. ومع ذلك، نحن لا نرى الردع غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لمنع الحرب وفرض الدبلوماسية"، مشيراً إلى أن "إنهاء الحرب يتطلب أن يدرك خصومنا أن تكلفة العدوان على إيران ستظل دائماً أعلى بكثير من أي مكاسب قد يحققونها".
وأوضح أنه "فيما يتعلق بالبرنامج النووي، تظل حقيقة موقفنا ثابتة: إيران لا تسعى لامتلاك أسلحة نووية. هذا ليس مجرد خطاب سياسي، بل هو قرار استراتيجي مبني على فتوى دينية وعلى تقييم واقعي بأن هذه الأسلحة لن تزيد من أمننا، بل ستؤدي إلى سباق تسلح يدمر المنطقة بأكملها"، معتبراً أن "الأزمة النووية هي أزمة مفتعلة لخدمة أجندات سياسية"، مضيفاً: "لكي تنتهي هذه المواجهة، يجب على الغرب أن يتوقف عن استخدام العقوبات كأداة للابتزاز السياسي، وأن يعترف بحق إيران المشروع في الطاقة النووية السلمية كجزء من تطويرها التكنولوجي."
ورأى أن "إنهاء الحرب يتطلب من واشنطن الانتقال من سياسة التدخل إلى سياسة الواقعية السياسية"، مشيراً إلى أن "الاعتراف بإيران كقوة إقليمية مسؤولة ليس تنازلاً، بل هو اعتراف بالواقع الجيوسياسي"، مضيفاً: "نحن مستعدون للانخراط في دبلوماسية جادة قائمة على المساواة والاحترام المتبادل، ولكننا لن نقبل بأي اتفاق يمس كرامتنا أو يحد من حقنا في الدفاع عن أنفسنا."
وأضاف: "إنهاء الحرب ليس صك استسلام، بل هو إرادة سياسية لبناء نظام إقليمي وعالمي أكثر عدلاً. إيران مستعدة للقيام بدورها، وهي تمد يدها لجيرانها وللعالم، مؤكدة أن السلام المستدام لا يُصنع بالصواريخ وحدها، بل بالرؤية المشتركة لمستقبل يعم فيه الأمن والازدهار للجميع، بعيداً عن أوهام الهيمنة والإقصاء".