انتظر العالم اجمع الكلمة الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب حول الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، على أمل الحصول على إشارات واضحة لمسار ومصير النزاع. إلا أن التصريحات الأخيرة لم تضف جديداً، فقد أعاد ترامب عزف الأسطوانة نفسها من أنّ الحرب "تقترب من نهايتها"، وأن قدرات إيران العسكرية قد تم القضاء عليها تقريباً، وأنه لن يسمح لها بامتلاك السلاح النووي. ومع ذلك، الواقع على الأرض يكشف فجوة كبيرة بين هذه التصريحات وما يحدث فعليًا، إذ تستمر إيران في إطلاق الصواريخ على إسرائيل وعلى القواعد الأميركية في الخليج، كما تحافظ على سيطرتها على مضيق هرمز، ما يدل على أن قدراتها لم تنته بالكامل.
الأهداف المعلنة للحرب لم تتحقق بعد، سواء من منظور الولايات المتحدة أو إسرائيل. فأميركا تواجه ضغوطاً متزايدة داخلياً بسبب كلفة العمليات العسكرية وتأثيرها على الاقتصاد والرأي العام، فيما ابتعدت بعض الدول الأوروبية عن الموقف الأميركي، وشهدت علاقات واشنطن مع دول الخليج برودة ملحوظة. وفي حين يبقى الدعم الأميركي لإسرائيل عاملاً حيويًا، الا انه لا يضعها في موقف مريح، ما يزيد التعقيد في صنع القرار ويجعل أي تحرك محفوفًا بالمخاطر. ويبدو ان إسرائيل، التي لعبت دوراً بارزاً في مسار الحرب، تواجه تحديات عميقة على جبهتين: مباشرة ضد إيران، ومن خلال حزب الله في لبنان. هذا الاستنزاف العسكري يتضمن ضغطاً على الموارد البشرية والاحتياط ونظم الدفاع مثل القبّة الحديدية، كما أن استمرار سقوط الصواريخ الإيرانيّة وحزب الله على الإسرائيليين، يضيف عبئاً مستمراً على الداخل، وفق ما تفيد به تقارير ومصادر عسكرية إسرائيلية التي تشير إلى إرهاق متزايد للجيش، على الرغم من أن القدرة التقنية على الاستمرار لا تزال قائمة، إلا أن الكلفة تتصاعد بسرعة ويصبح الحفاظ على نفس وتيرة العمليات البرية أمرًا صعبًا. ومن أبرز نقاط التوتر في هذا الصراع هو مشروع إسرائيل لإنشاء منطقة عازلة في جنوب لبنان وهو ما يتطلب استمرار وجود القوات العسكريّة على الأرض والقيام بعمليات برية متواصلة، ما يتناقض مع تصريحات ترامب عن نهاية الحرب خلال أسابيع قليلة. في وقت ستكون المساعي لإنشاء مثل هذه المنطقة تحتاج الى وقت وجهد، ولا يمكن إنجازها بسرعة، وهو ما يعكس الفجوة بين الطموحات السياسية والإمكانات الميدانية.
أما التحدي الأكبر لإسرائيل يتعلق بالضغط السياسي والدبلوماسي، خصوصاً إذا تم التوصل إلى اتفاق أميركي-إيراني يشمل تسوية إقليمية تضم لبنان. في هذه الحالة، من المرجح أن تتكيف معها، حتى لو لم تحقق كل أهدافها العسكرية، مستفيدة من دعم واشنطن، لكنها ستكون مضطرة لتقليص الطموحات الميدانية لصالح إنهاء النزاع بسرعة نسبيّة. بمعنى آخر، ما يمكن تحقيقه خلال هذه الفترة القصيرة ليس حسماً كاملاً للقدرات الإيرانية أو تثبيت منطقة عازلة نهائية، بل إنجازاً جزئياً يعيد صياغة الواقع السياسي والأمني بما يرضي الداخل الإسرائيلي ويخفف التوتر الإقليمي.
في المقابل، هناك مخاوف إسرائيلية من أن يسعى ترامب إلى تسريع الحلول الدبلوماسية، وهو ما قد يدفع تل ابيب إلى خطوات غير محسوبة، لا بل اقرب الى "الجنون"، لمحاولة تثبيت أكبر قدر ممكن من الأراضي الحدودية قبل الخضوع لشروط الاتفاق المتوقع، وهو ما يعني عملياً استغلال الضوء الاخضر المعطى لها لممارسة سياسة الأرض المحروقة في الجنوب اللبناني، ما يزيد من تعقيد الوضع على الساحة اللبنانية، خصوصاً بالنسبة الى وضع النازحين اللبنانيين الذين سيجدون انفسهم غير قادرين على العودة الى مناطقهم وقراهم حتى ولو سمحت لهم الظروف، فحجم الخسائر وقلة الموارد كفيلان بكسر أي طموح او رغبة في العودة.