تحدث رئيس الجمهورية جوزيف عون عن التفاوض كخيار اوحد للدولة اللبنانية، وهذا الكلام يطرح تساؤلا اساسيا لا بد من محاولة الاجابة عليه، وهو هل التفاوض مسار قائم بذاته، أم أنه مجرد نتيجة لشيء آخر يُفرض على الطاولة؟
التجربة التاريخية مع إسرائيل تقدم اجابة كاملة، وليس على مستوى التفاوض مع لبنان وحسب بل كل العرب، وهذه التجربة تؤكد انه حيث توجد قوة تضغط، يظهر التفاوض، ولنا امثلة كثيرة ابرزها عام 1996، و2006، والتفاوض على ترسيم الحدود البحرية، وحين تغيب قوة الضغط، يتحول التفاوض الى محاولة فرض، تماما كما حصل خلال مرحلة الأشهر الماضية.
منذ اتفاقيات الهدنة عام 1949، بدا أن العرب دخلوا مبكراً في مسار تفاوضي لم يكن متكافئاً، حيث حاولوا تثبيت بعض القواعد، دون ان يتمكنوا، وهذا ما انسحب على كل ما اتى بعدها، حتى حرب تشرين عام 1973.
في كامب ديفيد عام 1978، يُقدَّم الاتفاق عادة كنموذج على نجاح الدبلوماسية، لكن ما يُغفل عنه هو أن هذا التفاوض لم يكن ليحصل لولا حرب تشرين 1973. تلك الحرب، رغم كل الجدل حول نتائجها العسكرية، نجحت في كسر صورة التفوق الإسرائيلي المطلق، وفتحت الباب أمام مسارات سياسية، كذلك التجربة المصرية تأتي في نفس السياق حيث وقع السلام مقابل الارض، وهذا ما لم تكن لتقدمه إسرائيل لولا المسار العسكري المصري.
اما فيما يتعلق بلبنان، فالتجربة شاهدة، وباعتراف الإسرائيليين أنهم لم ينسحبوا من جنوب لبنان عام 2000 نتيجة مفاوضات أو ضغوط دبلوماسية، بل تحت وقع استنزاف عسكري مستمر فرضه حزب الله. الانسحاب جاء ليؤكد ان كلفة الاحتلال اصبحت كبيرة وتتفوق على كلفة البقاء، وهذا ما لم تستطع أي طاولة تفاوض أن تفرضه سابقاً، حيث كان القرار 425 يتيما متروكا مهملا لسنوات طويلة بسبب اختلال موازين القوى.
حتى في حرب تموز 2006، التي انتهت بقرار دولي، فإن صياغة القرار 1701 لم تكن منفصلة عن الأداء الميداني الذي منع إسرائيل من تحقيق أهدافها، ما جعلها تقبل بسقف لم تكن لتقبل به لو حسمت المعركة عسكرياً.
في المقابل، لا تزال تجربة أوسلو ماثلة امامنا، كون منظمة التحرير الفلسطينية دخلت التفاوض في لحظة ضعف وتفوق إسرائيلي بعد خروجها من لبنان وتراجع الدعم العربي الذي كان يقدم لها، فتمكنت إسرائيل من فرض شروطها كما ترغب، والدليل مجددا واقع القضية الفلسطينية اليوم وموقع منظمة التحرير فيها ورؤية تل ابيب لها.
اذا، السؤال الذي يطرح نفسه هنا لا يتعلق بالتفاوض كمبدأ بل متى تقبل به إسرائيل وكيفية ارغامها عليه، وكيف يمكن للطرف المقابل لها أن يفرض شروطه ويحقق مصلحته، فكل التجارب تشير إلى أنها لا تحب ان تتعامل مع التفاوض كبديل عن القوة، بل لتحقيق ما تصبو اليه، وهذا ما كانت عليه الجولات السابقة طيلة عام ونصف العام حيث بدا ان التنازلات اللبنانية لم تقدم للبنان شيئا ولم تسع إسرائيل للتوافق يوما.
من هذه الزاوية، يصبح الحديث عن الحزب ضروريا لتمكين الدولة اللبنانية من الحصول على اوراق قوة في اي تفاوض، وبالتالي فالمشكلة ليست بالمبدأ انما على الطريقة، وضروري ايضا قراءة كل التجارب التاريخية المحلية والعربية، بينما في المقابل، كل مسار تفاوضي جرى في ظل غياب هذا العامل، انتهى إما إلى تسويات ناقصة او لاتفاقات اذعان.
لكي يخرج لبنان من دائرة المراوحة عليه ان يقدر نقاط قوته ويستثمرها لا يحاكمها ويواجهها وعندها فليكن التفاوض.