يبدو تصريح رئيس الحكومة نواف سلام بأن "أحداً لا يفاوض نيابة عن لبنان"، في ظاهره دفاعاً بديهياً عن السيادة، لكنه في توقيته ومضمونه يتجاوز كونه مجرد موقف مبدئي، ليصبح جزءاً من مشهد إقليمي أكثر تعقيداً، حيث تُرسم خطوط ما بعد الحرب بالتوازي مع محاولات إعادة تركيب موازين القوى.
المسألة اليوم لا تتعلّق فقط بمن يفاوض، بل بمن يحدّد موقع لبنان داخل معادلة اقليمية جديدة تتشكل على وقع النار، وكيف يمكن للبنان ان يستفيد من ترتيبات المنطقة.
في اللحظة التي تقترب فيها المنطقة من تثبيت اتفاق وقف إطلاق نار بين واشنطن وطهران، ومعهما أطراف إقليميّة فاعلة، يتحرّك الإسرائيلي على خط موازٍ عنوانه الواضح هو تفكيك ترابط الجبهات. هذا الهدف هو جوهر الاستراتيجية الإسرائيلية منذ بداية الحرب، إذ أن أخطر ما واجهته تل أبيب لم يكن حجم النيران بقدر ما كان وحدة الساحات، أو على الأقل قابلية هذه الوحدة للتحقق في أي لحظة.
من هنا، يصبح فصل لبنان عن هذا المسار أولوية إسرائيلية، ليس فقط لتخفيف الضغط العسكري، بل لإعادة تعريفه كملف مستقل يمكن التعامل معه لاحقاً بشروط مختلفة تضمن مصالح تل ابيب تحت النار وتضمن لها المنطقة العازلة المحتلّة.
ضمن هذا السياق، يأتي الكلام اللبناني الرسمي وكأنّه يسير عكس اتجاه اللحظة، فبينما تتعامل طهران مع المفاوضات كجزء من معركة مفتوحة تستخدم فيها كل أوراقها الإقليميّة، يظهر لبنان كأنه يسارع إلى سحب نفسه من هذه المعادلة، أو على الأقل إلى إعلان ذلك.
الإيراني، الذي دخل التفاوض من موقع الصمود بعد أسابيع من المواجهة، لا يفصل بين الساحات، بل يوظفها لتعزيز موقعه التفاوضي وتحصيل الامن لكل الحلفاء الذين كانت تضربهم إسرائيل، مدركاً أن قوته تكمن في شبكة النفوذ التي بناها على امتداد المنطقة. لذلك، فإن أيّ خطاب يعزل لبنان عن هذا السياق، يضعف حكماً من موقعه، سواء أكان ذلك مقصوداً أم لا.
الإسرائيلي من جهته يقرأ هذه الإشارات بدقّة. هو يدرك أن ما عجز عن تحقيقه عسكرياً يمكن أن يمرر سياسياً، وأن تفكيك الجبهات لا يحتاج دائماً إلى عمليات عسكرية، بل أحياناً إلى مواقف وتصريحات تخلق وقائع جديدة. لذلك نشهد في هذه المرحلة تصعيداً ميدانياً، أشبه بمحاولة فرض إيقاع خاص على الجبهة اللبنانيّة، يهدف إلى إبقائها خارج أيّ تفاهم شامل، بما يؤدي ايضا الى إرباك المسار التفاوضي، ومنع تثبيت معادلة شاملة تشمل لبنان ضمن أي اتفاق أوسع.
في المقابل، لا تبدو واشنطن بعيدة عن هذا المنطق، وإن كانت تتحرك بأدوات مختلفة. فهي معنية بإنجاز اتفاق مع إيران يحقق لها مكاسب استراتيجية، لكنها في الوقت نفسه قد لا تمانع ترك هامش لإسرائيل لإعادة ترتيب بعض الملفات بما يخدم أمنها. هذا التناقض الظاهري يترجم عملياً عبر دفع نحو التهدئة من جهة، وغض نظر عن بعض أشكال التصعيد من جهة أخرى، طالما أنها لا تهدّد الإطار العام للاتفاق، لذلك فإن على ايران ان تعلن ان الاتفاق لن يسري ما لم تلتزم إسرائيل وبالتحديد في مضيق هرمز كونه الاكثر تأثيرا على اميركا.
أما لبنان الرسمي، فيقف في قلب هذا الاشتباك، لكنه يتصرف أحياناً كما لو أنه خارجه. الخطاب الرسمي الذي يرفع شعار السيادة قد يكون صحيحاً من حيث المبدأ، لكنه يفقد الكثير من قيمته حين يُستخدم في لحظة تتطلب قراءة دقيقة لموازين القوى، فالسؤال الحقيقي ليس من يفاوض نيابة عن لبنان، بل كيف يفاوض لبنان، وبأيّ أوراق، وفي أيّ موقع ضمن الخريطة الإقليمية.
تجاهل هذا السؤال يفتح الباب أمام الآخرين لتحديد الإجابة بدلاً عنه، لذلك فالساعات المقبلة تبدو حاسمة، ليس فقط على مستوى تثبيت وقف إطلاق النار، بل في تحديد ما إذا كان لبنان سيكون جزءاً من هذا الاتفاق أم ضحيّة جانبيّة له. التصعيد الإسرائيلي المتوقّع قد يكون محاولة أخيرة لفرض وقائع ميدانيّة قبل تثبيت أي تفاهم، فيما ستسعى الأطراف الأخرى إلى احتواء هذا التصعيد ومنعه من تفجير المسار بالكامل.
بين هذين الاتجاهين، يقف لبنان، فإمّا أن يُدرج نفسه ضمن معادلة القوّة التي فرضتها الحرب، أو أن يجد نفسه خارجها، ينتظر نتائج لم يشارك في صنعها.