تعدّ ​الصين​ المستفيد الجيوسياسي الاكبر من الحرب الدائرة بين ​الولايات المتحدة الأميركية​ واسرائيل من جهة وايران من جهة ثانية، ليس لعدم مشاركتها في الحرب بل لأن حرباً كهذه تضعف منافسيها وتفتح لها فرصا استراتيجية كبرى... يدرك الجميع أن الحرب الحقيقية الخفية الدائرة هي بين الولايات المتحدة الاميركية والصين على زعامة العالم والسيطرة على ​الاقتصاد العالمي​، فاجأت هذه الحرب لتعزز حظوظ ​بكين​ في وجه واشنطن.

تدور المنافسة الكبرى بين الولايات المتحدة والصين في آسيا وتحديدا في المحيط الهادئ، والمعركة مع ​إيران​ دفعت الجيش الاميركي الى تحويل تركيزه الى منطقة الشرق الاوسط ما يخفف الضغط عن آسيا.

في هذا السياق، شرحت مصادر مطلعة الى أن استمرار "الحرب مع ايران قد يعطل الملاحة في ​مضيق هرمز​ وهو أهم ممر نفطي بحري في العالم، وهذا سيؤدي الى ارتفاع جنوني في أسعار النفط، ورغم أن الصين أهمّ مستورد للطاقة الا ان ارتفاع الاسعار يضرب اقتصاد أوروبا وأميركا أكثر، بينما تحصل هي غالبا على النفط الإيراني بحسومات كبيرة بسبب العقوبات". اضافة الى ذلك تشير المصادر الى أن "بكين وقعت اتفاقا استراتيجيا طويل الامد مع ​طهران​ لمدة خمسة وعشرين عاما يشمل استثمارات في الطاقة، البنية التحتية، النقل والموانئ، ولو اشتد الصراع بين اميركا وايران لكان هذا الامر شأنه أن يعزز اعتماد ايران على الصين اقتصاديا وسياسيا".

"حاول التنين الصيني أن يقدم نفسه كوسيط دبلوماسي في الحرب"، وهنا تلفت المصادر الى أن "ما يجري من شأنه أن توسيع نفوذ الصين في ​الشرق الأوسط​ أولا من خلال ذلك كما يقدمها كشريك اقتصادي وبديل عن النفوذ الاميركي". وتؤكد المصادر أيضا أن "الحروب في الخليج تؤدّي الى اضطراب في انتاج الطاقة وارتفاع التضخم واضطراب الاسواق وهذا الامر من شأنه أن يضعف اقتصادات الغرب التي تنافس الصين".

"التوتر الاساسي في آسيا يدور حول ​تايوان​، والحرب الاميركية-الاسرائيلية على ايران يمكن ان تقلل من تركيز اميركا على ​شرق آسيا​، وهذا مهم بالنسبة للصين لعدم اعترافها بتايوان كدولة مستقلة واعتبارها اقليم صيني منفصل منذ الحرب الصينية التي وقعت عام 1949، وموقع تايوان مهم جدا خصوصا وانها تقع في قلب ما يسمى سلسلة الجزر الاولى في المحيط الهادئ والّتي تمتد من ​اليابان​ الى الفيليبين، ووجود حلفاء لأميركا في هذه السلسلة يسمح للولايات المتحدة باحتواء بكين بحريا، ولو أصبحت تايوان تحت سيطرة التنين فان نفوذ الصين البحري سيتوسع نحو المحيط الهادئ وسيصبح تطويقها عسكريا أصعب".

وتشير المصادر الى أن شرق آسيا يضم بعض أكثر طرق التجارة البحرية ازدحاما في العالم"، موضحة أن "قرب تايوان تمر خطوط شحن ضخمة تربط الصين باليابان، ​كوريا الجنوبية​ وجنوب شرق آسيا، وبالتالي فإن السيطرة على هذه المنطقة تمنح الصين نفوذا بحريا واقتصاديا كبيراً"، كذلك تتابع المصادر بأن "هناك الاهمية التكنولوجيّة، إذ ان تايوان تعد مركزا عالميًّا لصناعة اشباه الموصلات أو الرقائق الالكترونية وtsmc هي اهم شركة في عالميا في هذا المجال تصنع نسبة من أكبر الشرائح الالكترونية تقدّما لاستخدامها في الهواتف، الذكاء الاصطناعي، السيارات، الاسلحة المتقدمة، لذلك تعتبر تايوان أهم جزيرة تكنولوجية في العالم"، وبالتالي وبحسب المصادر فإن "التوتر حولها هو أحد أهم اسباب المنافسة بين الصين والولايات المتحدة الّتي تدعم تايوان سياسيا وعسكريا لمنع تغيير الوضع بالقوّة، أما الصين فترى أن أي اعلان استقلال رسمي لتايوان قد يؤدي الى حرب".

في النهاية، قد لا تكون الصين طرفًا مباشرًا في أيّ مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، لكنها قد تكون من أكثر الدول استفادة من تداعياتها. فالحروب الكبرى لا تغيّر فقط موازين القوى في ساحات القتال، بل تعيد ترتيب الأولويات الاستراتيجية للدول الكبرى. ولو انشغلت واشنطن بصراع طويل في الشرق الأوسط، فقد يتراجع تركيزها على شرق آسيا، حيث تدور المنافسة الحقيقيّة على قيادة النظام الدولي، وخصوصًا حول تايوان التي تمثل عقدة جيوسياسية وتكنولوجيّة في آن واحد.

وفي عالم يتجه تدريجيًا نحو تعددية الأقطاب، قد تتحول مثل هذه الأزمات إلى فرص لقوى صاعدة مثل الصين لتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي، بينما يجد الغرب نفسه أمام تحدّيات جديدة في الحفاظ على موقعه في النظام العالمي.