تعيش المنطقة تقلّبات سياسية وأمنية كبيرة وسريعة، مع انعكاسات واسعة النطاق على دول المنطقة والعالم أجمع. وفي خضمّ جولات التفاوض القائمة حاليًا بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، الأمور في لبنان مفتوحة على كل الاحتمالات، سلمًا أم حربًا. والمفارقة أنّ أفضل السيناريوهات التي يتأمّل الكثيرون الوُصول إليها للخروج من الأزمة الحالية، له انعكاسات سيّئة على لبنان. ماذا في الوقائع؟
السيناريو الأوّل: في حال عادت الأمور بين واشنطن وطهران إلى المربّع الأوّل، وتمّ اللجوء إلى لغة الحرب مُجدّدًا، سيكون الوضع الإقليمي بكامله متدهورًا، مع انعاكاسات اقتصادية عالمية خطيرة، بسبب توقّع أن يكون نطاق التدمير المُتبادل في أي جولة قتال مقبلة واسعًا جدًا، بحيث سيشمل ممرّات النفط في باب المندب إضافة إلى مضيق هرمز، وموانئ النفط على كامل خريطة الشرق الأوسط، في مقابل تدمير البنية التحتية المدنية الإيرانية بأكملها هذه المرّة. وبالموازاة ستكون النار مُشتعلة على أشدّها في لبنان بين الجيش الإسرائيلي و"حزب الله". وبالتالي، هذا السيناريو كارثي ليس على لبنان فحسب، بل على الإقليم كلّه، وحتى على العالم أجمع.
السيناريو الثاني: نجاح الوساطات في تأمين وُصول كل من أميركا وإيران إلى إطار تفاهم يفتح الباب أمام جولات تفاوض عميقة ومُفصّلة في الأسابيع المقبلة للوُصول إلى سلام مُستدام. لكنّ هذا السيناريو المَنشود والمناسب على الصعيدين الإقليمي والعالمي، لا يصبّ في مصلحة لبنان في حال نجاح المناشدات الإسرائيلية لدى البيت الأبيض من تحييد الملفّ اللبناني عن الصراع مع إيران، بحيث تبقى الجبهة الجنوبية مُشتعلة، إن لم يكن بشكل واسع ومفتوح، فبشكل جزئي ومتقطّع على غرار الهدنة التي تلت اتفاق "وقف الأعمال العدائية" السابق، والذي يرفض "حزب الله" العودة إليه، حتى لو كلّف الأمر بقاء الجبهة مُشتعلة. وعلى الرغم من أنّ "الحزب" على قناعة بأنّ هذا الأمر غير وارد، لأنّ القيادة الإيرانية–برأيه وبحسب ما تُعلنه طهران جهارًا، مُصرّة على أن يشمل وقف النار الجبهة اللبنانية، فإنّ التجارب السابقة والمصالح الكبرى والبنود المبهمة قد تؤدّي مُجتمعة إلى ترك الحرب في لبنان قائمة. إلى ذلك، إنّ تمكن إيران من التأثير على الملف اللبناني في السلم، بعد أن كانت خلف التأثير عليه للدخول في الحرب، يعني ربط مصير الملف اللبناني بشكل كامل بمصير الملف الإيراني، وهذا أمر شديد الخطورة أيضًا.
السيناريو الثالث: التوصّل إلى مُذكرة تفاهم بين الأميركيّين والإيرانيّين، وامتداد الهدوء المرحلي إلى الجبهة اللبنانية، أي أن تُمارس واشنطن ضغطًا على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف كل الأعمال الحربية في لبنان، في مقابل تولّي طهران ضبط هجمات مقاتلي "الحزب" بشكل تام. لكنّ هذا السيناريو الذي يصفه الكثيرون بأنّه الأفضل للبنان، يحمل في طيّاته العديد من السيّئات. وفي هذا السياق، يكمن الخطر الأبرز في بقاء قوات الاحتلال في الجنوب من دون أن تكون عرضة لهجمات استنزاف، وكذلك ربط مسألة استقرار الوضع اللبناني بتجاذبات الدُول الكبرى وبمصالحها الاستراتيجية والتكتيّة، ما يعني عمليًا جعل مصير كل المنطقة الحدودية، لجهة استرجاعها إلى كنف الوطن وعودة أهاليها إلى بلداتهم وقراهم حتى لوّ كانت مُهدّمة، مُتّصلًا بما ستُسفر عنه عمليّات شدّ الحبال بين واشنطن وطهران من اتفاقات نهائية يُحتمل أن تطول، وربما قد تتعرّض للانتكاس في المستقبل، وقد تأتي أيضًا على حساب مصلحة لبنان واللبنانيّين.
السيناريو الرابع: إصرار الإدارة الأميركية على فصل الواقع اللبناني عن الاتفاقات الخاصة بالمنطقة، بغضّ النظر إذا ما كان حال الغموض سيبقى هو المُسيطر على الواقع الإقليمي، أو ما إذا كانت بشائر الحلّ ستُطلّ برأسها خلال الأيّام المقبلة. وبالتالي، في حال تحقّق الهدوء إقليميًا، أو في حال استمرّت التجاذبات والرسائل المتبادلة على مدى الأشهر المقبلة، ستربط واشنطن مصير مستقبل استقرار لبنان، بنتائج المفاوضات المباشرة التي تستضيفها على أراضيها. فإمّا يتمّ تحقيق خرق في هذا المجال، وإمّا يبقى الوضع الأمني متدهورًا. والمفارقة أنّه حتى لو تحقّق تقدّم سياسي بين المفاوضين اللبنانيّين والإسرائيليّين، برعاية أميركيّة، فإنّ مسار ترجمة أي اتفاق مُحتمل على أرض الواقع لن يكون مُفروشًا بالورود في حال رَفَضَه "حزب الله"، وعارضته إيران. وعندها، يُصبح السيناريو المَذكور غيرَ مُفيدٍ للبنان، بحيث أنّه قد يُعَرّض استقراره الأمني للخطر، ويُهدّد وحدة شعبه وتماسكه.
في الخلاصة، لم يُحسم حتى الساعة أي ملفّ على الصعيدين الإقليمي والدَولي ليُبنى على الشيء مُقتضاه، لكن في الانتظار لا تبدو السيناريوهات المَطروحة للبنان جيّدة، حتى تلك التي تُصنّف الأكثر تفاؤلًا!





















































