في كل عام، تحلّ ذكرى 13 نيسان كزائر ثقيل يطرق أبواب الذاكرة ال​لبنان​ية، محملاً بصور حربٍ دموية ثقيلة، لا يزال اللبنانيون يتباينون حتى اليوم في مقاربتها، حتى على مستوى التسمية، بين من يراها "حرب الآخرين على أرضنا"، ومن يصنّفها صراحةً في خانة الحروب الأهلية و​الطائفية​، بدليل الانقسام الذي أرسته، والشرخ الذي أحدثته داخل العاصمة ​بيروت​ بين منطقتين "شرقية" و"غربية" بمعزل عن السبب المباشر الذي أدّى إلى اندلاعها.

وإذا كانت عقود السلم الهش لم تنجح في محو ندوب هذه الحرب بعد، رغم مرور أكثر من نصف قرن عليها، غير أنّ وقعها هذا العام بدا أكثر كثافة، لأن البلاد لا تستحضر ماضيها من مسافة آمنة، كاستعادة لتاريخ بعيد، نظريًا على الأقلّ، وإنما تفعل ذلك فيما تعيش حربًا مفتوحة مع ​إسرائيل​، وضغطًا داخليًا متصاعدًا، وحديثًا عن مفاوضات مباشرة، وتحذيرات رسمية من المسّ ب​السلم الأهلي​.

قد لا يكون دقيقًا القول إنّ الظروف بين 1975 و2026 تتقاطع، فالكثير من الأمور تغيّرت، وإن بقي الاحتقان في النفوس، يطلّ برأسه بين الفينة والأخرى. لكنّ الأكيد أنّ الهواجس من عودة "شبح الماضي" ربما تكون اليوم في أعلى مستوياتها، حتى إنّ هناك من يعتقد أنّ هذا هو "الرهان الحقيقي" الذي لن توقف إسرائيل حربها على لبنان من دون تحقيقه، وقد بدأت مؤشراته العملية بالظهور في أكثر من محطة.

وسط هذه الظروف، تتحوّل ذكرى الحرب من مناسبة للتذكّر، وربما البكاء على الأطلال، إلى فرصة للتأمّل والتفكير، وقياس الحاضر أيضًا، وذلك من خلال الإجابة على سؤال يبدو مركزيًا: هل يملك لبنان اليوم دولة تمتلك من الهيبة والقدرة ما يكفي لمنع انزلاق البلاد نحو مناخات الفوضى؟ وهل يكفي أن يكون الجميع غير راغبين بتكرار تجربة الانتحار الجماعي حتى يطمئن الناس إلى أنّ "السيناريو الأسود" سيبقى سابع المستحيلات؟

إجماع على الرفض... ولكن!

من الناحية الوجدانية، يبدو الجواب شبه محسوم. فالذاكرة الجماعية المشبعة بالدمار كفيلة بجعل "العودة إلى الحرب" خيارًا مرفوضًا جملة وتفصيلاً، كما أنّ الخسائر التي خلفتها الحرب السابقة لا تزال ماثلة في الأذهان، ومنها جروح مفتوحة لم تندمل بعد، كملف المفقودين والمغيبين قسرًا، ومنها ما لا يزال محفورًا النفوس وإن انتهت فعاليته على الورق، كما هو حال الخط الأخضر الذي شطر بيروت إلى قسمين، لا يزالان حاضرين، وغابا بالمباشر.

وعلى أهمية آن يكون اللبنانيون جميعًا مدركين لخطورة العودة إلى الحرب باعتبار ذلك انتحارًا جماعيًا لا يملك أحد ترف احتماله، إلا أنّ هذا الإجماع لا يكفي وحده لصناعة شبكة أمان. فالتاريخ يعلّمنا أن الحروب الأهلية لا تنفجر لأن الشعوب تشتهيها، بل لأن الدول تضعف، ومراكز القرار تتعدد، والتوازنات تصبح هشة أمام الشارع القابل للاشتعال.

هنا يبدأ "الخوف القديم" باستعادة ظله، ليس كنسخة طبق الأصل عن العام 1975، بل كقلقٍ وجودي، ربما يكون مشروعًا، من عجز الدولة عن الإمساك بزمام الأمور، وبالتالي حماية الداخل، وذلك تحت وطأة الضغوط الخارجية الهائلة، وما يواكبها في الداخل من تحريض لا يراه كثيرون بريئًا بأتمّ معنى الكلمة.

الخوف من "الداخل"

من هنا، يمكن القول إنّ ما يجعل ذكرى الحرب هذا العام استثنائية، هو تحوّل "بوصلة القلق"، إن صحّ التعبير، بمعنى أنّ هواجس اللبنانيين لم تعد محصورة في "جبهة الجنوب" وحدها، هي التي اشتعلت مع معركة "طوفان الأقصى"، قبل أن تخفت الجبهات كلها، وتبقى وحدها في الميدان مع وعيد إسرائيلي لا يتوقف، أبشع ما فيه هو المحاولات المكشوفة لتأليب اللبنانيين على بعضهم البعض.

صحيح أنّ الخوف من الجبهة والغارات والنزوح واتساع رقعة الدمار لا يزال موجودًا، وهو أكثر من مشروع في حرب تبدو بلا أفق، وتخضع لمزاجية هذا المسؤول أو ذاك، لكن بموازاته

برز خوفٌ آخر في الأسابيع الأخيرة: ​الخوف من الداخل​ نفسه، من الشارع، من التحريض، من الانقسام حول السلاح والمفاوضات، ومن احتمال تسلل تداعيات الحرب الإسرائيلية إلى البنية اللبنانية الهشة لتحدث فيها شقوقًا لا يمكن ردمها بسهولة.

لا يمكن قراءة هذا القلق بوصفه "انطباعًا شعبيًا"، إذ ترجمته مواقف رسمية حازمة، لعلّ أبرزها كلام رئيس الحكومة ​نواف سلام​ الذي أعاد الاعتبار لمفهوم "الدولة القوية والعادلة" كمرجعية وحيدة لحماية الجنوب والشمال على حد سواء، معتبراً أن غياب هذه المرجعية هو الثغرة التي ينفذ منها الخوف القديم.

وفي السياق نفسه، جاءت تحذيرات قيادة الجيش مؤخراً لتعكس واقعًا أمنيًا دقيقًا؛ فالتشديد على منع أي تحركات تمس الاستقرار يعني أن العين الأمنية ترصد غلياناً في الشارع يحتاج إلى "كبح استباقي" قبل أن يتحول أي احتكاك عابر إلى أزمة كبرى. فالتشديد على منع التعبئة والتحركات التي تمس الاستقرار يعكس إدراكاً عميقاً بأن الشارع بلغ مستوى من الغليان يحتاج إلى ضبط استباقي حازم.

الدولة بين الشعار والقدرة

هنا يطل السؤال الأساسي: هل يملك لبنان دولة تكفي فعلًا لمنع عودة شروط الخوف القديم؟

ليس المقصود بالدولة هنا المعنى الإداري أو الخدماتي فقط، وإنما الدولة بوصفها المرجعية التي تحتكر القرار، وتبث الطمأنينة، وتضبط الشارع، وتمنع تعدد المراكز التي تتنافس على تعريف المصلحة الوطنية في لحظة الخطر.

المفارقة المؤلمة أن لبنان يدخل هذا الامتحان البنيوي وهو في أضعف حالاته. فبينما يرفع الجميع شعار "السلم الأهلي خط أحمر"، تبقى الملفات السيادية الكبرى رهينة توازنات إقليمية ودولية تتجاوز المؤسسات الدستورية اللبنانية. وليس خافيًا على أحد أنّ هذا الفصام بين "خطاب الدولة" و"واقع القرار الموزع" هو ما يغذي شعور اللبنانيين بأن دولتهم قد تكون أضعف من قدرتهم على تحمل القلق.

ومن هذه الزاوية، تبدو ذكرى ​الحرب الأهلية​ هذا العام أقرب إلى اختبار لمفهوم الدولة منه إلى مناسبة وجدانية. فالمجتمع اللبناني لا ينقصه الوعي بخطورة الحرب. الذي ينقصه، في نظر كثيرين، هو الإطار القادر على تحويل هذا الوعي إلى حماية فعلية.

السلاح والتفاوض واختبار القرار

تتعمق هذه الهواجس مع بروز ملف "​المفاوضات المباشرة​" مع إسرائيل، ومع الجدل الذي فتحه هذا الطرح في الداخل اللبناني. وبين رغبة دولية في بدء المحادثات على الفور، ورفض قوى داخلية التفاوض تحت النار أو فرض مسارات "فوقية"، يعود السؤال اللبناني المزمن إلى الواجهة. من يقرر؟ ومن يتحدث باسم البلد؟ ومن يحدد سقف التفاوض وحدوده؟

هذه الأسئلة هي ذاتها العناصر التي غذّت صراعات الماضي. والمفارقة أن الجميع يلوذ بـ"الدولة" عند اشتداد الخطر، لكن الخلاف ينفجر عند ترجمة هذا الشعار بين فريق يرى أن قيام الدولة يبدأ من احتكار السلاح والقرار، وفريق آخر يرى أن الأولوية لوقف العدوان قبل أي نقاش داخلي.

وبين هذين المنطقين، يجد لبنان الرسمي نفسه على حبل دقيق: يطالب بوقف الحرب، ويحاول منع الانفجار الداخلي، ويدخل في الوقت نفسه منطقة تفاوضية شديدة الحساسية. هذه الوضعية وحدها تكفي لتفسير حجم القلق: البلد مطالب بأن يمنع الفتنة فيما هو ما يزال مختلفًا على طبيعة الطريق التي تمنعها.

هل يكفي الوعي من دون دولة؟

في الخلاصة، لا أحد يستطيع القول إن الحرب عائدة غدًا، ولا إن لبنان يقف أمام إعادة نسخة طبق الأصل من عام 1975. التاريخ لا يكرر نفسه بهذه البساطة، فالمتغيرات والتحالفات والوعي الشعبي كلها تختلف. غير أن الاطمئنان بـ"استحالة الحرب" يبدو مضللًا أيضًا، أو قد يكون نوعًا من الهروب إلى الأمام.

فذكرى الحرب هذه السنة لا تطرح سؤال الماضي فقط، وإنما تطرح سؤال الحاضر في أكثر نقاطه حساسية: هل يكفي أن يخاف اللبنانيون من الحرب إذا بقيت الدولة أضعف من أن تحتكر القرار وتحمي التوازن الداخلي؟

هذا هو جوهر المسألة. اللبنانيون تعلّموا من الحرب كثيرًا على مستوى الذاكرة والخسارة والخوف. لكن التعلم الحقيقي لا يكتمل ما لم يتحول إلى دولة قادرة على الإمساك بالميدان السياسي والأمني معًا. ومن دون ذلك، يبقى البلد معلّقًا بين ذاكرة جماعية ترفض الحرب الأهلية، وواقع سياسي لا يملك كل مقومات منع عودة شروطها.