حين تنطلق المدافع في الشرق الأوسط، ترتفع في روما صلوات يعتبرها البعض أنّها تتخذ طابعاً سياسياً حاداً. فالمواجهة الراهنة بين البابا لاوون الرابع عشر والرئيس الأميركي دونالد ترامب ليست صراعاً على ممر مائي أو نفوذ إقليمي، بل هي "معركة على الروح"؛ حيث يرى البابا في الحصار على إيران والاعتداءات على لبنان محاولة لاغتيال نموذج حضاري وإنجيلي ضارب في القدم. وفي هذا السياق، لم يعد لبنان في خطاب لاوون الرابع عشر "ساحة مساندة"، بل صار "القضية المركزيّة" التي يرفض الفاتيكان تقديمها قرابين على مذبح "الواقعية السياسية" الفجّة.
بلد الأرز "الموطن الإنجيلي" في قلب الدبلوماسيّة البابويّة، فالبابا يذهب في دفاعه عن البلد إلى ما وراء الدبلوماسية التقليديّة، مستحضراً الثقل الإنجيلي والتاريخي لهذه الأرض. فبالنسبة للكرسي الرسولي، لبنان ليس مجرد دولة على الخارطة، بل هو "أرض مقدّسة" امتدّت إليها خطى السيد المسيح في قانا وصور وصيدا.
ومن هذا المنطلق تترسّخ قدسية "أرز الرب" في أدبيّات لاوون الرابع عشر، حيث يُعد لبنان "جبل الرب" الذي ذكره الكتاب المقدس أكثر من ٧٠ مرة كرمز للشموخ والقداسة. حيث يرى أن استهداف هذه الأرض بالاعتداءات العشوائية هو "تدنيس" لرمزيّة إيمانيّة عالميّة. لذا، فإنّ دفاعه عن لبنان ينطلق من كونه "محميّة إنجيليّة" يجب ألا تلوثها نيران الحروب العبثيّة.
لذلك فإنّ لبنان هو رسالة بالنسبة للكرسي الرسولي، فلاوون الرابع عشر، يتبنى وبقوة أكبر، عقيدة سلفه القدّيس يوحنا بولس الثاني بأن "لبنان أكثر من وطن، إنه رسالة". وفي مواجهته مع الرئيس الاميركي دونالد ترامب، يطرح سؤالاً أخلاقياً: "كيف تسمح واشنطن بتدمير المختبر الوحيد في العالم للتعايش المسيحي-الإسلامي؟". بالنسبة للبابا، سقوط لبنان في أتون الحرب يعني سقوط فكرة "السلام الممكن" بين الشرق والغرب، وهو ما يعتبره الفاتيكان هزيمة للإنجيل وانتصاراً لمنطق الصدام.
وما المواجهة المباشرة الّتي حصلت بين رأس أرفع سلطة للكنيسة الكاثوليكيّة في العالم البابا لاوون الرابع عشر إلاّ الكسر لـ"عصا" ترامب الأميركية، حيث يُنظر إلى لبنان كجزء من "معادلة الردع" ضد إيران في أروقة البيت الأبيض، لكن البابا يرى في هذا المنطق "عمىً استراتيجياً". وهذا ما بدا واضحًا في بيانه الأخير، حيث لم يتردد في وصف الصمت الأميركي عن "الهمجيّة العسكريّة" في لبنان بأنه "توقيع على صك إعدام للتنوع الحضاري".
وفي هذا السياق، يربط البابا بذكاء بين حصار مضيق هرمز الذي أعلنه ترامب وبين تدهور الأوضاع في لبنان. فالحصار الذي يرفع أسعار الطاقة ويخنق الاقتصادات، يراه رأس الكنيسة الكاثوليكية أداة "تعذيب جماعي" تصيب العائلات اللبنانيّة قبل أن تصيب الأنظمة السياسية.
وللدفاع عن التاريخ، يذكر البابا في مراسلاته مع القادة الأوروبيين أن لبنان هو الجسر الذي عبرت منه الثقافة والعلوم من الشرق إلى الغرب. ودفاعه عن لبنان هو لحماية "ذاكرة المتوسط" التي يحاول ترامب اختزالها في "أرقام وصراعات قوة".
"المنقذ" الأخلاقي
وفي هذا المشهد المعقّد، تبرز روسيا والصين كلاعبين لا يمكن تجاوزهما، لكنهما يتحركان بدافع المصالح الباردة. وهنا تكمن "براعة" لاوون الرابع عشر؛ فهو يستغل الانقسام الدولي ليخلق "قطباً ثالثاً" هو القطب الأخلاقي.
وبينما تستفيد روسيا من ارتفاع أسعار النفط، وتتحرك الصين لتأمين طرق تجارتها، يقف البابا وحيداً ليقول إن "الإنسان اللبناني" ليس وقوداً لهذه المصالح.
وأوروبا، التي تقف "دور المتفرج"، تتعرض لتوبيخ بابوي مستمر؛ حيث يذكرها لاوون الرابع عشر بأن "سقوط لبنان" يعني وصول شرارات النار إلى بيوتها، ليس فقط عبر أزمة الطاقة، بل عبر انهيار القيم التي قامت عليها القارة العجوز.
فهل أخطأ ترامب في الحسابات؟
إن الخطأ الاستراتيجي الذي يرتكبه الرئيس الاميركي في مواجهته مع البابا هو اعتباره أنّ "القوة الخشنة" يمكنها أن تحسم صراعاً ببعدٍ حضاري وإيماني. لقد فشل اجتماع إسلام آباد لأنّ الإدارة الأميركية لم تفهم أن "الأمن" لا يتحقق بخنق الشعوب، بل باحترام "خصوصيّة الأوطان-الرسالة" مثل لبنان.
لاوون الرابع عشر لا يفاوض ترامب على "إحداثيّات جغرافيّة"، بل على "حق البقاء" لأرضٍ باركها الإنجيل وحماها التاريخ. المواجهة اليوم هي بين "رجل يرى العالم صفقة" و"رجل يرى العالم أمانة إلهية".
ورغم صبّ النيران الّتي تحصد المدنيين والاطباء والصحفيين والمسعفين، يبقى للبنان الحيّز الأكبر في صراع "التاج والمذبح" عام ٢٠٢٦. وإذا كان ترامب يراهن على "تعب" اللبنانيين أو "انكسار" إيران، فإنّ لاوون الرابع عشر يراهن على "أبديّة الأرز". والتاريخ يخبرنا أن الغزاة والمحاصرين يرحلون، وتظل بيروت وصور وصيدا شواهد على هزيمة القوّة أمام الحقّ. وفي نهاية المطاف، قد يجد ترامب نفسه مضطراً للجلوس مجدداً إلى طاولة المفاوضات، ليس لأنه اقتنع بالدبلوماسيّة، بل لأنّ "صوت روما" المُدافع عن "قدسيّة لبنان" صار أقوى من ضجيج حاملات طائراته.


















































