أشار البطريرك الماروني الكاردينال ​مار بشارة بطرس الراعي​، في عظته خلال الاحتفال بالقدّاس الإلهي في كنيسة مار مارون في ​جزين​، إلى أنّ "في ختام إنجيل متّى، وردت كلمة الرّب يسوع "أنا معكم طوال الأيّام إلى نهاية العالم"، معتبرًا أنّ "هذا النّصّ هو الوصيّة الأخيرة الّتي تركها المسيح لتلاميذه، وهي ليست مجرّد كلمات وداع، بل عهد حضور دائم، حضور حيّ وفعلي، حضور محبّة وسلام، يرافق الكنيسة والإنسان في كلّ زمان ومكان".

ولفت إلى أنّ "هذا الوعد الإلهي "أنا معكم"، هو أساس الرّجاء المسيحي، لأنّه يعني أنّ الإنسان ليس متروكًا في ضعفه، ولا وحيدًا في آلامه، بل أنّ المسيح يسير معه في دربه، يواكبه في تجاربه، ويثبّته في رسالته. ومن هنا، دعا إلى التمسّك بهذه النّعمة، نعمة البقاء في الرّسالة الّتي تسلّمناها، رسالة الشّهادة للحق والمحبّة والسّلام، وعدم التخلّي عنها مهما اشتدّت الصعوبات".

وتوقّف البطريرك الرّاعي عند مشهد عودة النّازحين إلى قراهم، موضحًا أنّ "التأخير في الوصول إلى جزين كان سببه هذا المشهد المؤثّر، حيث رأى النّاس يعودون إلى بيوتهم المهدّمة، حاملين فرشهم على أكتافهم، عائدين إلى بيوتهم، إلى أرضهم"، ومركّزًا على أنّ "هذا المشهد يدمي القلب، لأنّ الإنسان يُجبر على العودة إلى الخراب، لكنّه في الوقت عينه يفتح باب الرّجاء، لأنّه يعبّر عن تعلّق الإنسان بأرضه، وعن إيمانه بأنّ الحياة أقوى من الدّمار".

وشدّد على أنّ "كلّ شبر من ​لبنان​ هو مساحة حياة وانتماء، وأنّ الإنسان لا يستطيع أن يعيش بعيدًا عن أرضه، لأنّها جزء من هويّته ووجوده"، مؤكّدًا أنّ "السّلام ليس خيارًا ثانويًّا، بل ضرورة وجوديّة، لأنّ من دونه لا يمكن للإنسان أن يعيش بكرامة". وتساءل بمرارة: "لماذا الحرب؟ هل ربحت أي حرب شيئًا؟"، معتبرًا أنّ "كلّ حرب هي خسارة، وأنّ الرّابح فيها هو في الحقيقة خاسر، لأنّها تدمّر الإنسان قبل الحجر، وتزرع العداوة بدل المحبّة". ورأى أنّ "الحرب لا تصنع مستقبلًا، بل تهدم الحاضر وتسرق الغد"، داعيًا إلى "رفض منطق العنف والتمسّك بمنطق الحوار".

وأضاف أنّ "اللّبنانيّين تعبوا من الحروب، من القتل والدّمار، ومن رؤية شبابهم يهاجرون، ويضيع تعب العمر سدى، لأنّ قنبلةً واحدةً قادرة على تدمير ما بُني في سنوات طويلة"، مشيرًا إلى أنّ "الحرب ليست مرجلة، بل إنّ المرجلة الحقيقيّة هي في امتلاك العقل والحكمة، وفي القدرة على الحوار والتفاهم".

كما ذكر الرّاعي أنّ "الله نفسه لم يتعامل مع الإنسان بالعنف، بل بالحوار، إذ "كلّمنا منذ القديم بأنواع وطرق شتّى"، وبلغ هذا الحوار كماله في ​يسوع المسيح​، الّذي جاء ليعلن المحبّة لا العنف، والغفران لا الانتقام". ومن هنا، لفت إلى أنّه "عيب علينا ألّا نتفاوض، لأنّ الكرامة الحقيقيّة هي في الجلوس إلى طاولة الحوار من الندّ إلى الندّ، والبحث عن حلول تحفظ كرامة الجميع".

وأوضح أنّ "هذه هي إرادة المسيح الّذي قال: "كما أرسلني أبي أنا أرسلكم… اذهبوا وتلمذوا"، أي أنّ الرّسالة المسيحيّة هي رسالة سلام، ورسالة لقاء، ورسالة بناء، لا رسالة صراع وانقسام"، وتابع أنّ "المسيح عندما قال "أنا معكم"، إنّما أراد أن يرافق هذه الرّسالة، ويمنحها القوّة لتستمر".

وشدّد على أنّ "لبنان هو بلد الشّهادة، بلد الرّسالة، وما يميّزه هو هذا التنوّع الّذي يشكّل غنى لا ضعفًا"، مبيّنًا أنّ "اللّبنانيّين، على اختلاف انتماءاتهم، يشكّلون معًا لوحة فسيفساء جميلة، وهذا ما عبّر عنه البابا القدّيس يوحنا بولس الثاني عندما وصف لبنان بأنّه "أكثر من وطن، إنّه رسالة".

وركّز الرّاعي على أنّ "اللّبناني لا يُغلق بابه في وجه أخيه، بل يفتح قلبه وبيته، كما حصل مع النّازحين الّذين استُقبلوا في القرى والبلدات"، ووَجد أنّ "هذه الرّوح هي الّتي تحفظ لبنان، وهي الّتي تعطيه معناه الحقيقي". وأردف أنّ "كلّ من يزور لبنان من سفراء وأجانب، يشهد بجماله، ليس فقط بطبيعته، بل بشعبه، بثقافته، بديمقراطيّته، وبتعدّديّته"، مشيرًا إلى أنّ "هذا الجمال يجب أن يُحفظ ويُصان من خلال التمسّك بالسّلام".

إلى ذلك، دعا إلى "الصّلاة كي تستمر الهدنة وتتحوّل إلى سلام دائم"، مشدّدًا على أنّ "السّلام هو عظمة الإنسان، بينما الحرب هي ضعف الإنسان. والبطل الحقيقي ليس من يخوض الحروب، بل من يبني السّلام، ومن يعمل على جمع النّاس لا تفريقهم".