أخيرًا، جاء ​وقف إطلاق النار​ بين ​لبنان​ و​إسرائيل​ في لحظة إقليمية ضاغطة، بعد أسابيع من التصعيد الذي استنزف الداخل اللبناني وفتح الجنوب على مزيد من ​الدمار​ و​النزوح​. ومع أن الهدنة دخلت حيّز التنفيذ منتصف ليل الخميس-الجمعة لمدة أولية محددة بعشرة أيام، مع إمكان تمديدها وتجديدها، فإنها حملت منذ اللحظة الأولى ما يتجاوز فكرة التهدئة الميدانية الموقتة، خصوصًا أنها اقترنت بمفاوضات مباشرة ستضع الأطراف جميعًا أمام اختبار نيات فعلي في المرحلة المقبلة.

بهذا المعنى، لم يكن الاتفاق الذي رعته ​واشنطن​ إعلانًا لنهاية القتال، حتى "استراحة محارب"، بقدر ما شكّل إعادة تموضع سياسية وعسكرية فوق ركام الميدان. صحيح أن صوت المدافع تراجع، وأن الدبلوماسية تقدّمت إلى الواجهة، لكن الحرب بقيت حاضرة في العمق، لتبقى التهدئة محصورة موقتًا في خانة تجميد النزيف، بانتظار ما ستسفر عنه موازين القوى بعد المفاوضات، حيث يسعى كل طرف إلى تحويل ما راكمه ميدانيًا إلى واقع سياسي أكثر ثباتًا.

وبالفعل، بدأ التوظيف السياسي للاتفاق باكرًا، سواء عبر محاولة تعظيم ما يمكن وصفه بالإنجاز، أو حتى عبر الشماتة بالخصم والتعجيل في الحديث عن هزيمته. غير أن الواضح أن هذه التهدئة تتجاوز فكرة الصمت العسكري الموقت، وتفتح مرحلة جديدة من ​الصراع​ تُدار بأدوات دبلوماسية خشنة، خصوصًا أن الاتفاق أبقى عناصر التفجير قائمة، فلم يفرض انسحابًا إسرائيليًا فوريًا وشاملًا، ولم ينتزع في المقابل تنازلًا نهائيًا من جانب "​حزب الله​".

لهذا تبدو قراءة الهدنة من زاوية الربح والخسارة أكثر دقة من التعامل معها بوصفها نهاية حرب أو بداية سلام. فكل طرف خرج منها وفي يده ورقة ما، لكن لا أحد نال الصورة التي سعى إليها كاملة: واشنطن كسبت فرصة لإدارة مرحلة جديدة من الملف اللبناني. إسرائيل حصلت على مكسب أمني واضح من دون أن تنتزع هدفها الأكبر دفعة واحدة. الدولة اللبنانية خرجت بعنوان سيادي مهم، لكنها لا تزال أمام امتحان القدرة على ترجمته. أما حزب الله، فتمكّن من تفادي الضربة القصوى على مستوى النص، فيما انتقل الاشتباك إلى موقعه ودوره وحدود شرعيته في الداخل اللبناني. وبين هذه الأرباح والخسائر، تتوزع رهانات المرحلة المقبلة.

واشنطن ربحت التهدئة وفتحت باب المرحلة التالية

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، يمكن القول إنها خرجت من هذه الجولة بمكسب دبلوماسي أعاد تكريسها لاعبًا رئيسيًا في إدارة خيوط التفاوض الإقليمي. فقد نجحت في انتزاع هدنة تفصل الجبهات وتفتح مسارًا تفاوضيًا مباشرًا، تسعى من خلاله إلى بناء ترتيبات أمنية أوسع تتجاوز القرار 1701، وتمنحها دور المرجعية الأولى في أي تسوية لاحقة.

وعبر هذا الاتفاق، حققت واشنطن ما كانت تعمل عليه منذ أسابيع: سحب الجبهة اللبنانية من مسار التصعيد المفتوح، وربطها بمسار تفاوضي ترعاه هي. فالتفاهم المعلن لم يقتصر على وقف النار، بل تضمّن تعهدًا بالسير في مفاوضات مباشرة حول الحدود الدولية البرية، والعمل بحسن نية من أجل تفاهم أوسع على الأمن والسلام.

ومع أنّ هذه الصيغة تمنح الإدارة الأميركية موقع الممسك بالخيط الرئيسي للمرحلة التالية، وتجعلها المرجعية الإلزامية لأي مسار يتصل بالجنوب أو بترتيبات ​الأمن اللبناني​، إلا أنّ الربح الأميركي يبقى مشروطًا. فالهدنة موقتة وهشّة، واحتمال انهيارها قائم إذا اصطدمت بمطلب إسرائيلي مرتفع أو بعجز لبناني عن مواكبة المسار المطلوب.

لذلك تراهن واشنطن على استثمار الأيام العشرة لتثبيت تفاوض لا يتوقف عند حدود خفض النار، وإنما يتجه إلى إعادة ضبط موازين الأمن في لبنان من بوابة الدولة والحدود والشرعية الدولية. وفي هذا تحديدًا يكمن اختبارها الأصعب في المرحلة المقبلة.

إسرائيل حصدت مكسبًا أمنيًا ولم تحسم معركة اليوم التالي

أما إسرائيل، فحصيلتها تبدو أعقد من مجرد وقف الصواريخ. فهي خرجت بهدنة تمنحها سقفًا أمنيًا مرتفعًا لم يكن متاحًا لها في جولات قتالية سابقة، من دون أن تجد نفسها مضطرة إلى انسحاب فوري وشامل من الأراضي التي احتلتها. فهي لا تزال تحتفظ بقواتها في نقاط استراتيجية داخل الجنوب اللبناني، بعمق يصل في بعض المناطق إلى عشرة كيلومترات، وهو ما يشكل ورقة ضغط قوية في يد المفاوض الإسرائيلي.

إلى جانب ذلك، نجحت إسرائيل في تضمين نص الاتفاق، وفق الصياغة الأميركية، حق "الدفاع عن النفس"، وهو بند يُخشى أن تتعامل معه كما تعاملت سابقًا مع مبدأ "حرية الحركة"، ولا سيما أنه مصطلح فضفاض يمنحها هامشًا واسعًا لتبرير أي عمل عسكري مستقبلي تحت عنوان إحباط تهديد وشيك. وهذا يعني أنها دخلت الهدنة من موقع القوة النسبية، لا من موقع التراجع الكامل.

لكن الصورة الإسرائيلية تبقى ناقصة. فالمطلب الذي رفعته تل أبيب عاليًا منذ بداية التفاوض تمثل في تفكيك حزب الله أو نزع سلاحه، وهو ما لم يتحقق في نص الاتفاق. كما أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية يخلق مأزقًا سياسيًا لا يمكن التقليل من شأنه، لأن هذا الوجود يمنح خصوم إسرائيل مادة جاهزة للقول إن الصراع ما زال قائمًا، وإن الحديث عن "اليوم التالي" لا يلغي حقيقة الاحتلال الجزئي في الجنوب.

"حصرية السلاح"

على ضفة "لبنان الرسمي"، يبرز الربح في استعادة الدولة لخطابها السيادي، بعدما ثبّت الاتفاق عنوان "حصرية السلاح بيد الدولة" والقوى الشرعية. وهذا مكسب معنوي وسياسي سعت إليه بيروت منذ زمن طويل، لأنه يمنح الجيش اللبناني والقوى الأمنية غطاء دوليًا ودعمًا سياسيًا للانتشار في المناطق الحدودية، ويعيد تثبيت مرجعية الدولة في أي ترتيبات مقبلة تخص الجنوب والأمن الوطني.

ومن هذه الزاوية، حصلت الدولة اللبنانية على اعتراف سياسي بدورها المرجعي، كما أن الهدنة تتيح بدء عودة تدريجية للنازحين، بما يخفف من وطأة الضغط الاجتماعي والسياسي الداخلي الناتج عن النزوح والدمار. غير أن هذا الربح ما زال حتى الآن في خانة العنوان أكثر مما هو في خانة التنفيذ. فالاتفاق لا يبدو متكافئًا من ناحية الضمانات، إذ تفتقر بيروت إلى تعهدات حقيقية تلزم إسرائيل بالانسحاب الكامل ضمن جدول زمني واضح ومن دون شروط مسبقة. ك

ما أن معالجة عودة الأهالي إلى قراهم ما زالت خاضعة للترتيبات الأمنية الميدانية التي يفرضها الجيش الإسرائيلي الموجود في الداخل. وفي هذا السياق، يظهر لبنان الرسمي كطرف يسعى إلى وقف النزيف الإنساني والمالي تحت ضغط الضرورات، ما يدفعه إلى هامش مرونة سيادية وسياسية مؤلم من أجل الحصول على تهدئة قد لا تدوم طويلًا إذا تعثرت ​المفاوضات المباشرة​. يضاف إلى ذلك أن فرض "حصرية السلاح" ليس ملفًا تقنيًا أو إداريًا، بل قضية ترتبط بتوازنات دقيقة وحسابات داخلية شديدة التعقيد.

حزب الله... الصمود واختبار الشرعية

أما حزب الله، فقد خرج من الهدنة بمكسب وخسارة في آن واحد. فقد خرج من الجولة العسكرية محتفظًا بكيانه التنظيمي وسلاحه الذي لم يمسّه النص مباشرة، وهو ما يعزز موقعه كطرف أساسي لا يمكن تجاوزه في أي معادلة مستقبلية. ويكمن ربحه الأساسي في إفشال محاولة الشطب العسكري المباشر، وفي البقاء قوة فاعلة على الأرض خلال مرحلة التفاوض، خصوصًا أن إسرائيل كانت تريد بندًا صريحًا ينص على نزع سلاحه أو تفكيكه في صلب الاتفاق.

في المقابل، تتمثل الخسارة الأهم في انتقال المعركة إلى مكان أكثر حساسية: موقع سلاحه ووظيفته داخل لبنان. فالحزب يواجه تحديًا سياسيًا داخليًا متصاعدًا، بعدما انتقل النقاش من "ضرورة المقاومة" إلى "وظيفة السلاح" في ظل حضور الدولة وسعيها إلى احتكار القرار الأمني.

وقد عكست تحذيرات الحزب من تحول الهدنة إلى غطاء للتحركات الإسرائيلية هذا الرهان بوضوح. فهو أعلن أن أي وقف نار يجب ألا يسمح لإسرائيل بحرية الحركة داخل الأراضي اللبنانية، واعتبر أن بقاء القوات الإسرائيلية في الجنوب يترك للبنانيين "الحق في المقاومة". وهذه الصياغة تكشف رهانه الأساسي: تأجيل ساعة الحسم الداخلي عبر التمسك بأن الاحتلال الجزئي ما زال قائمًا، وبالتالي فإن وظيفة السلاح لم تسقط نهائيًا. غير أن هذا الرهان يواجه اليوم بيئة داخلية مختلفة، لأن الحرب الأخيرة رفعت كلفة الازدواجية بين الدولة والسلاح، ووسّعت دائرة المطالبين بحصر القرار الأمني بيد المؤسسات الرسمية.

من ربح الهدنة فعلًا؟

عند جمع الصورة كلها، ينتهي ميزان الربح والخسارة إلى ما يمكن وصفه بتوازن قلق. واشنطن ربحت ورقة التفاوض. إسرائيل نالت سقفًا أمنيًا موقتًا. الدولة اللبنانية استعادت شرعية العنوان السيادي. حزب الله حمى وجوده العسكري وتفادى النص الأخطر. وهذا يعني أن أحدًا لم يخرج منتصرًا بالكامل، كما أن أحدًا لم يخرج مهزومًا بالكامل. ما نشأ فعليًا هو توازن جديد قيد التشكل، يحاول فيه كل طرف أن يجعل من الهدنة منصة لتحسين موقعه في الجولة السياسية المقبلة.

لهذا، يرتبط الرهان الحقيقي بما إذا كانت هذه الهدنة ستؤسس لتسوية تدريجية، أو ستتحول إلى استراحة قصيرة تسبق صراعًا أكثر تعقيدًا على الشروط والأدوار والسيادة. فالأيام العشرة المقبلة لن تختبر فقط قدرة الاتفاق على الصمود، وإنما ستكشف أيضًا من يستطيع تحويل الهدنة إلى مكسب استراتيجي، ومن سيخرج منها مثقلًا بأثمان سياسية وأمنية أكبر.