منذ اللحظة الأولى لدخول لبنان الحرب، كان من الواضح أن هناك انقساماً كبيراً في قراءة مجريات الأحداث، فـ"حزب الله" كان المبادر إلى الانخراط في المواجهة الإقليمية، نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، في حين لم يتأخر مجلس الوزراء في تصنيف أنشطة الحزب، العسكرية والأمنية، بأنها غير شرعية، مفضلاً إبقاء البلاد بعيداً عن التطورات الإقليمية.
لاحقاً، بادر رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى طرح مبادرته التفاوضية مع إسرائيل، بهدف انهاء الصراع، بينما كان الحزب ينتظر نتيجة المواجهات مع طهران، على قاعدة أنها ستقود إلى تحديد مستقبل المنطقة برمتها، ما كرس أكثر الانقسام الداخلي في قراءة التطورات، التي وصلت إلى ذروتها عند الوصول إلى اتفاق الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران، بين من يريد ربط الملف اللبناني بها ومن يسعى إلى فصله بشكل كامل.
في هذا السياق، تشير مصادر سياسية مطلعة، عبر "النشرة"، إلى أن هذا الواقع كان المؤشر الأخطر خلال مرحلة الحرب، لا سيما أن إسرائيل سعت إلى استغلالها لدفع لبنان نحو صدام داخلي كبير، من منطلق أنها ستكون المستفيد الأكبر منه، وتلفت إلى أن لحظة الذروة كانت عند انطلاق الحديث، أول من أمس، عن احتمال حصول اتصال هاتفي بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو.
وتلفت المصادر نفسها إلى أنّ الجانب الأميركي كان يضغط لتحقيق هذا الهدف، أي الاتصال بين عون ونتانياهو، بعد الاجتماع الذي عقد في واشنطن يوم الثلاثاء الماضي، لكنها تعتبر أن رئيس الجمهورية نجح في تجاوز هذا "الفخ" الخطير، الذي كان سيحمل تداعيات كبيرة على الواقع الداخلي، لا سيما أن وقف إطلاق النار لم يكن قد تحقق بعد.
قبل ذلك، كانت المؤشرات على قرب الوصول إلى اتفاق لوقف اطلاق النار على الجبهة اللبنانية واضحة، وهو ما كان من المتوقع حصوله منذ لحظة الإعلان عن الهدنة بين واشنطن وطهران، إلا أن معادلة الانقسام نفسها كانت حاضرة أيضاً، من خلال السردية التي قدمها كل فريق في أسباب تحقيق هذا الهدف، بين من أكد أن الأمر يعود إلى الجهود الدبلوماسية التي قامت بها الدولة، ومن أصر على أن الدور الأساسي يعود إلى إيران، عبر مسار المفاوضات التي تخوضها مع الولايات المتحدة.
عند هذه النقطة، تشدد المصادر السياسية المطلعة على أن ما يمكن التأكيد عليه هو أن القرار لم يكن نابعاً من رغبة إسرائيلية، بدليل الانتقادات التي يتعرض لها نتانياهو من منطلق أن أهداف الحرب، التي كان قد أعلن عنها، لم تتحقق، وتشير إلى أن غالبية الأوساط في تل أبيب تتحدث عن ضغوط تعرض لها من قبل ترامب، الذي يسعى إلى عقد صفقة مع طهران بأسرع وقت ممكن، بسبب التداعيات التي تركتها الحرب على واقعه الداخلي، بالإضافة إلى تلك المتعلقة بالاقتصاد العالمي.
من وجهة نظر المصادر نفسها، ما يهم، على المستوى اللبناني، هو إدراك جميع القوى المعنية خطورة المرحلة المقبلة، خصوصاً أن وقف اطلاق النار لا يزال عبارة عن هدنة لمدة 10 أيام فقط، من المرجح أن يكون مصيرها مرتبطاً بمسار المفاوضات الأميركية الإيرانية، من دون أن يلغي ذلك استمرار مساعي الفصل بين الملفين، وتؤكد أن الضغوط على المستوى الداخلي سترتفع أكثر.
في المحصلة، تشدد هذه المصادر على أن الظروف الحالية تتطلب السعي إلى تأمين حد أدنى من التوافق على رؤية موحدة، عنوانها الحفاظ على الاستقرار الداخلي وحماية المصالح اللبنانية، الأمر الذي لا يمكن أن يكون عبر البقاء ضمن المسار السابق، ولا من خلال تمسك كل فريق برؤيته للمستقبل، حيث هناك من يعتبر أن الأولوية هي انهاء "حزب الله"، في مقابل من يرى أن المطلوب الانقلاب على المعادلة السياسية القائمة.