لم يكن خطاب الأمين العام ل​حزب الله​ الشيخ ​نعيم قاسم​، ومقابلة رئيس الجمهورية العماد ​جوزاف عون​ مع شبكة "CNN"، مجرد تعبيرين متعارضين عن موقفين سياسيين مختلفين. كانا في جوهرهما تجسيداً لمنطقَين لا يلتقيان: منطق حزب مسلّح يرى في الحرب وجوداً وهويّة ورسالة، ومنطق دولة منهكة تبحث عن مخرج في ظل انهيار متعدد الأوجه. وفهم هذا التقابل يستوجب تشريح كل خطاب على حدة، خطوةً بخطوة، قبل رسم الصورة الأشمل التي تجمعهما في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد.

بنية خطاب قاسم قبل قراءة المضمون

ثمة قاعدة في تحليل الخطاب السياسي تقول إن الطريقة التي يُبنى بها تكشف عن النوايا أكثر مما يكشف عنها مضمونه الظاهر. وخطاب قاسم يبدأ من الأعلى: الإمام الخميني، الإمام موسى الصدر، السيد ​حسن نصر الله​، ثم آية قرآنية في الختام. هذا التأطير ليس شكلياً؛ فهو يضع حزب الله في موقع الامتداد الطبيعي لسلسلة مقدّسة من الرموز الدينية والوطنية والمقاومتية، بحيث يصبح أي اعتراض على سياسات الحزب اعتراضاً ضمنياً على هذا الإرث كله. إنها استراتيجيّة خطابية معروفة تُسمّى "التحصّن خلف الرمز"، وهي فعّالة جداً في المجتمعات ذات الذاكرة التاريخية الجماعية الحية.

بعد هذا التأسيس الرمزي، ينتقل قاسم إلى ثلاث ركائز متشابكة يقوم عليها بناؤه الحجاجي: الشرعية الدينية المستمدة من مرجعية الخميني والنص القرآني، والشرعية التاريخية المستمدة من تجربة التحرير عام 2000 وتضحيات السيد نصر الله، والشرعية الوطنية المُعلنة في الحديث عن الأرض والسيادة والكرامة. التشابك بين هذه الركائز الثلاث يُنتج خطاباً متيناً في مظهره، لكنه حين يُفحص من الداخل يكشف عن اختلالات منطقية جوهرية.

وأولى الاختلالات مغالطة الكل أو لا شيء، حيث يرفض قاسم صراحةً "أي ربط بين وجود حزب الله وبين وقف العدوان وانسحاب إسرائيل"، معتبراً أن هذا الربط يُشكّل تهديداً وجودياً للحزب وإعداماً لقوة ​لبنان​. لكن هذا الموقف يُفكّك نفسه بنفسه حين يُواجَه بسؤال بسيط: إذا كان وجود سلاح الحزب لا علاقة له بالحرب التي تشنّها إسرائيل، فكيف يُفسّر أن المواجهة العسكرية الأخيرة اندلعت تحديداً بعد أن فتح الحزب جبهة الإسناد دعماً لغزة؟ الفصل التام بين السبب والنتيجة هنا ليس موقفاً مبدئياً بل تلاعب بالمنطق السببي. في عالم التفاوض الدولي، كل الأطراف تُقرّ بأن وقف الأعمال العدائيّة يستوجب آليات لمنع تجدّدها، وهذا يعني بالضرورة الحديث عن ترتيبات تتعلق بمصادر القوة العسكريّة لكل طرف.

وفي اطار الحديث عن "الشرائح الواسعة" فهو ادّعاء غير مدعوم، عبر اعتباره أن نتائج المفاوضات "مرفوضة جملةً وتفصيلاً من شرائح واسعة من الشعب اللبناني". وهو أمر لا يستند إلى أي استطلاع للرأي، ولا إلى أي مؤشّر ديموغرافي، ولا إلى أيّ حراك شعبي مُوثَّق. في المقابل، يُقدّم الرئيس عون في مقابلته شهادات ميدانية من الجنوب اللبناني ومن طوائف مختلفة -سنّة ومسيحيين ودروز وشيعة- تعكس إرادة شعبية واسعة بإنهاء الحرب. ومن المفارقات اللافتة أن قاسم يتحدث باسم الشعب اللبناني دون أن يرجع إليه، بينما يستحضر عون شهادات أفراد من مناطق الجنوب التي يقول قاسم أنه يُقاتل دفاعاً عنهم.

اضافة الى ذلك نرى تناقضًا جوهريًّا بالكلام حول السيادة والتبعية في آنٍ معاً، فالشيخ قاسم يُطالب بـ"سيادة لبنان" ويرفض أي تدخل في شؤونه الداخلية، لكنه في الفقرة التالية يشكر ​إيران​ على "مساعدتها"، ويربط مصير البلد ارتباطاً عضوياً بمسار المفاوضات الإيرانية-الأميركية. والسيادة في القانون الدولي والعرف السياسي تعني بالتعريف أن الدولة تتخذ قراراتها بمعزل عن إرادة أيّ طرف خارجي، حكومةً كان أم تنظيماً. فكيف تُطالَب سيادةٌ تُعلَن باسم الدولة اللبنانية بينما التمويل والتسليح والقرار الاستراتيجي يأتي من طهران؟ هذا التناقض لا يُجيب عنه الأمين العام لحزب الله لأنه ببساطة لا يستطيع الإجابة عنه دون أن يُفضي ذلك إلى تقويض ركيزة أساسية في خطابه.

أما لجهة الخلط بين وقف إطلاق النار والاستسلام، يأتي وصف الشيخ قاسم على ذكر أن أي انسحاب من الجنوب في غياب انسحاب إسرائيلي مسبق بأنه "استسلام وهزيمة، كحلم إبليس بدخول الجنة". هذا التأطير الثنائي الحاد -إما الحرب الكاملة أو الاستسلام الكامل- يُغلق الباب أمام أي تصوّر تفاوضي، ويُظهر غياباً لافتاً للمرونة الاستراتيجية. فالتجربة الدولية تُثبت أن ثمة نماذج لا تُعدّ من التسويات التفاوضية قامت على مبدأ التزامن في الانسحاب المتبادل أو تدرّج الخطوات، من مفاوضات أوسلو إلى اتفاق الجمعة العظيمة في إيرلندا إلى السلام الكولومبي. ولا يوجد في السجل الدولي حالة انتهت فيها حرب بين طرف حكومي وطرف غير حكومي بـ"استسلام" أحدهما الكامل، لأن الهزيمة العسكرية النهائية لتنظيمات من هذا النوع أثبتت استحالتها مراراً.

واذا تابعنا تشريح الخطاب، لا بدّ من الاشارة الى الانحياز العاطفي والتلاعب الرمزي حيث يختم الشيخ قاسم خطابه بآية قرآنية من سورة النساء: "وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُونَ". وتوظيف النص القرآني في سياق خطاب سياسي حزبي هو لإضفاء القداسة الإلهيّة على موقف بشري قابل للنقاش والمراجعة. أما عبارات من قبيل "إبادة قسم من الشعب اللبناني واستعباد الباقي" و"قتلة الأنبياء" و"دماء الشهداء"، فهي ليست لغة تفاوضية أو سياسية، بل لغة تعبئة وتحشيد، وظيفتها الأساسية إغلاق أي مساحة للتفكير النقدي داخل البيئة الحاضنة ووضع كل من يُعارض مواقف الحزب في خانة الخيانة والعمالة.

وهنا نرى لزاما الاضاءة على الزوايا الغائبة كلياً عن الخطاب الّذي خلا تماماً من أي إشارة إلى عدد الضحايا اللبنانيين أو المهجَّرين، في حين أن عون ملأ مقابلته بأرقام تفصيلية موجعة: أكثر من 3500 شهيد، ما يزيد على 10 آلاف مصاب، ومليون نازح يمثلون 20 بالمئة من إجمالي السكان اللبنانيين. كما خلا الخطاب من أي سؤال عن "اليوم التالي": ما هو شكل النصر الذي يتحدث عنه الشيخ قاسم؟ وكيف سيبدو الجنوب بعد تحقيقه؟ وبأي تفويض شعبي لبناني فُتحت جبهة الإسناد أصلاً؟ وما الفاتورة الاقتصادية لاستمرار الحرب في بلد يتداعى اقتصادياً منذ عام 2019؟ هذه الأسئلة الجوهرية مغيّبة كلياً، لأنّ الإجابة عنها ستُقوّض الأرضية التي يقف عليها الخطاب.

في الانتقال الى مقابلة رئيس الجمهورية يتميز عون فيها عن الشيخ قاسم بأنه يُقدّم أطروحته على مستويَين متمايزَين يُعزّز كل منهما الآخر.

على المستوى الاستراتيجي العسكري، يستند الرئيس إلى نظرية الجنرال البريطاني السابق روبرت سميث الواردة في كتابه "فائدة الحرب"(Utility of Force). هذا الكتاب الصادر عام 2005 يُعدّ من المراجع الأكاديمية والعسكرية الأساسية في فهم طبيعة الصراعات الحديثة. وجوهر النظرية أن الحروب المعاصرة لم تعد تُخاض بين جيشَين تقليديَّين على ساحة معركة واضحة المعالم، بل باتت "حروباً بين الناس" تكون فيها البيئة المدنية هي ساحة المعركة الحقيقية، وتكون الأهداف العسكرية مختلطة بالحياة اليومية للمدنيين. في هذه الحروب، يُصبح مقياس النصر التقليدي -أي من يملك أكثر من أسلحة ومعدات- فاقداً لجدواه، لأن الطرف الأضعف عسكرياً يُعوّض ذلك بانغراسه في النسيج الاجتماعي المحلي ومرونته التنظيمية.

عون يستعمل هذه النظرية لتوجيه نقد مزدوج: لإسرائيل التي تعتقد أنّ القوة الناريّة المتفوقة ستُحقّق لها الأهداف السياسية، ولحزب الله الذي يعتقد أنّ الصمود العسكري وحده يُنتج الشرعية السياسية. وهو يُعزز موقفه بأمثلة تاريخية من تجربتين دوليتَين بالغتَي الدلالة:

*التجربتان الدوليتان:

1-التجربة الأولى FARC الكولومبية من الغابة إلى طاولة المفاوضات في نصف قرن: القوات المسلحة الثورية ل​كولومبيا​، المعروفة باختصارها FARC، هي تنظيم ماركسي لينيني مسلح تأسس عام 1964 في كولومبيا كحركة تمرد فلاحية في مواجهة الحكومة المركزية ونفوذ كبار ملاك الأراضي. في ذروة قوته في مطلع الألفية الثالثة، كان التنظيم يُسيطر فعلياً على مساحات شاسعة من الأراضي الكولومبيّة في الأدغال والجبال، ويضم في صفوفه ما يتراوح بين 16 ألفاً و20 ألف مقاتل، ويُموّل عملياته عبر الاتّجار بالكوكايين وعمليات الاختطاف وابتزاز الشركات متعددة الجنسيات.

أمضت الحكومة الكولومبية عقوداً في محاولة هزيمة FARC عسكرياً. وفي عهد الرئيس ألفارو أوريبي (2002-2010)، ضخّت ​الولايات المتحدة​ مليارات الدولارات في "خطة كولومبيا" العسكرية التي أضعفت التنظيم بصورة ملموسة لكنها لم تُفضِ إلى هزيمته النهائية. أدرك المختصون أنّ القوة العسكرية وحدها ستكون عاجزة عن حسم الصراع طالما بقيت جذوره الاجتماعية والاقتصاديّة قائمة في المجتمعات الريفيّة المحرومة.

بدأت المفاوضات الجدّية في عام 2012 بين حكومة الرئيس خوان مانويل سانتوس وقيادة FARC في العاصمة الكوبيّة هافانا. وبعد أربع سنوات من المحادثات المضنية التي تناولت ملفّات الإصلاح الزراعي وضمانات المشاركة السياسية وإعادة تأهيل المقاتلين السابقين والتعامل مع ملف المخدرات وتعويض ضحايا الحرب، توصّل الطرفان إلى اتفاق سلام شامل عام 2016. ورغم أن استفتاءً شعبياً أوّلياً رفض الاتفاق بفارق ضيّق قبل أن تتم مراجعته وإقراره، إلا أنّه دخل حيز التنفيذ وحصل مُهندسه الرئيسي سانتوس على جائزة نوبل للسلام في العام نفسه.

الدرس من التجربة الكولومبية عميق: اثنان وخمسون عاماً من الحرب الدمويّة، أكثر من 220 ألف قتيل وما يزيد على ستة ملايين نازح، ولم تنتهِ بهزيمة عسكريّة لأيّ من الطرفين، بل بمفاوضات استغرقت أربع سنوات تضمّنت تنازلات جوهرية من الجانبين.

2-التجربة الثانية IRA الإيرلندي والخروج من العنف إلى البرلمان في ثلاثة عقود: الجيش الجمهوري الإيرلندي، المعروف بـIRA، تنظيم قومي إيرلندي تأسس في مطلع القرن العشرين، لكن فصله الأكثر صلةً بالسياق الراهن هو ما عُرف بـ"المشاكل" أوThe Troubles، وهي الفترة الممتدة من عام 1969 حتى 1998 التي شهدت نزاعاً مسلحاً في إيرلندا الشمالية بين الجناح العسكري لحركة القوميّة الإيرلندية الراغبة في الوحدة مع جمهورية إيرلندا من جهة، والقوات البريطانية والميليشيات الموالية للبقاء في المملكة المتحدة من جهة أخرى.

خلال تسعة وعشرين عاماً، نفّذ IRA آلاف العمليّات العسكرية والتفجيرات داخل إيرلندا الشمالية وفي عمق المدن البريطانيّة بما فيها لندن. وقد أسفر النزاع عن نحو 3500 قتيل من مدنيين وعسكريين وعناصر مسلحة من الجانبين، في مجتمع لا يتجاوز تعداده السكاني مليوناً وأربعمئة ألف نسمة.

جاء التحوّل مع اتفاق الجمعة العظيمة (Good Friday Agreement) المبرم في نيسان 1998 بعد مفاوضات سرية وعلنية امتدت لسنوات، شارك فيها وسطاء أميركيون بارزون في مقدمتهم السيناتور جورج ميتشل. الاتفاق لم يُعطِ IRA ما كان يطالب به أي الوحدة الفورية مع الجمهورية الإيرلندية، بل أسّس لمؤسسات تشاركيّة في الحكم ضمنت للمجتمع الكاثوليكي تمثيلاً وحماية حقيقيَّين. في المقابل، أقدم IRA على نزع سلاحه تدريجياً تحت إشراف دولي، ودخل جناحه السياسي -حزب شين فين- مسار الانتخابات البرلمانية وبات اليوم قوة سياسية رئيسية في الجمهورية الإيرلندية وفي الشمال معاً.

الدرس المشترك من التجربتَين الكولومبية والإيرلندية الذي يستحضره جوزاف عون بذكاء هو أن التنظيمات غير الحكوميّة المسلحة لا تُهزَم عسكرياً حين تكون متجذّرة في نسيجها الاجتماعي، وأن المسار التفاوضي وإن بدا مُكلفاً سياسياً فإنه أقل كلفةً بما لا يُقاس من الكلفة الإنسانية للحرب الطويلة. لكن هذا الاستحضار يحمل ضمنياً تحدياً أمام الرئيس نفسه: فكلا المسارَين احتاجا إلى عقود من البناء المؤسسي والضغط الدولي المتواصل وتحوّلات عميقة في البنية الاجتماعية. فهل يملك لبنان المنهك هذا الوقت وهذه الأدوات؟

أمّا لجهة مواطن الضعف في موقف عون، وبموضوعية تامة، لا يخلو من إشكاليات تستحق التحليل النقدي. فالشرط المعلّق في الهواء حول نزع السلاح مقابل الانسحاب الإسرائيلي يفتقر إلى آليات تنفيذية واضحة. والتفاؤل المُعلَن -"ليس هناك من مستحيل" و"الأمر سهل"- يبدو أحياناً أقرب إلى الخطاب التعبوي منه إلى التقدير الاستراتيجي الرصين. كما أن غياب أي نقد للضغط الأميركي-الإسرائيلي في مقابل الإدانة الصريحة للتدخل الإيراني يُنتج توازناً غير متكافئ يُضعف مصداقيته أمام شريحة واسعة من اللبنانيين.

وفي ظل الموقفين المتناقضين نصل الى المشهد الدولي والإقليمي وحين يُحدّد الخارج ما يجري في الداخل، لا سيّما بين "الدقة" في الضربات وورقة سوريا الجديدة، إذ لا يُمكن قراءة الموقف الأميركي من الملف اللبناني بمعزل عن تصريح بالغ الأهمية أدلى به الرئيس ​دونالد ترامب​ حين قال إنه "متفق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ​بنيامين نتنياهو​، نحن نتفاهم بشكل ممتاز"، مضيفاً: "لم أتفق معه في بعض الأمور. أريد حياة أفضل للبنان، وأريد أن تكون الهجمات على حزب الله أكثر دقّة. يمكننا المساعدة في ذلك أو الاستعانة بسوريا، فزعيم سوريا ​أحمد الشرع​ سيسعد بالمساعدة."

هذا التصريح يستوجب تشريحاً دقيقاً لأنه ينطوي على طبقات متعددة من المعنى السياسي والاستراتيجي:

1- الخلاف المُعلَن داخل التوافق الأميركي-الإسرائيلي: حين يقول ترامب "لم أتفق معه في بعض الأمور" في ما يتعلق بالدقة في الضربات، فهو يُرسل رسالة مزدوجة: إلى الرأي العام الأميركي والدولي يشير فيها إن واشنطن ليست شريكاً أعمى في كل ما تفعله إسرائيل، وإلى نتنياهو يقول إن ثمة سقفاً للدعم الأميركي غير المشروط. لكن هذا الخلاف في الدرجة لا في الجوهر: فترامب لا يرفض الضربات، بل يريدها "أكثر دقةً"، وهو تمييز جوهري يُثبت أن واشنطن لا تعترض على الهدف بل على الأسلوب.

2- "أريد حياة أفضل للبنان": هذه الجملة لترامب تبدو إنسانية في ظاهرها، لكنها في سياقها السياسي ليست سوى تعبير عن رغبة واشنطن في أن يخرج لبنان من دائرة النفوذ الإيراني ليدخل في مدار مختلف. "الحياة الأفضل للبنان" بحسب المنطق الترامبي هي حياة بعيدة عن حزب الله والوصاية الإيرانية لا حياة بعيدة عن الضغط الإسرائيلي. وهو بذلك يُقدّم موقفاً أحادي البُعد يُسقط الكلفة الإسرائيلية عن الحسابات.

3- توريط سوريا وورقة أحمد الشرع: الأخطر في التصريح الترامبي هو استحضار "زعيم سوريا أحمد الشرع" بوصفه طرفاً يمكن الاستعانة به في مواجهة حزب الله. هذا التصريح يُخرج سوريا من دائرة المتفرج الإقليمي ليضعها في موقع اللاعب الوظيفي في الاستراتيجية الأميركية تجاه لبنان وإيران. والمسألة هنا بالغة الدقة من زوايا عدة:

أولاً، أحمد الشرع قائد انبثق من بيئة "جهادية" ذات تاريخ معقّد ومتشعّب، وإدراجه كشريك استراتيجي أميركي محتمل في مواجهة الحزب يُنتج معادلة قابلة لتوليد تعقيدات أمنيّة إضافية في المنطقة.

ثانياً، هذا التصريح يُشكّل ضغطاً على إيران من زاوية جديدة: فالجمهورية الاسلاميّة خسرت نظام بشّار الأسد الذي كان ممراً حيوياً لإيصال الدعم إلى حزب الله، والآن تجد أن الإدارة الأميركية تُفكّر في استعمال سوريا ما بعد الأسد ورقةً إضافية في استراتيجية الضغط.

ثالثاً، هذا الكلام يُلقي بثقل إضافي على كاهل الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام وعلى جوزاف عون شخصياً: فبينما يُحاول رئيس الجمهورية بناء منطق دولة يُقنع حزب الله بالمسار التفاوضي، يُطلق الحليف الأميركي الأكبر تصريحات تستدعي طرفاً سورياً خارجياً في معالجة الملف. وهذا يُضعف موقف عون الذي يُصرّ على أن المعالجة يجب أن تكون "محلّية" لا خارجية.

التناقض الداخلي في الموقف الأميركي: حين يُعلن ترامب دعمه لنتنياهو و"التفاهم الممتاز" معه في الوقت الذي يُدير فيه وسطاؤه مفاوضات مع إيران، يُنتج ذلك ازدواجية استراتيجية واضحة: واشنطن تُريد إضعاف إيران الإقليمي (عبر إسرائيل وتشجيع الضربات) وفي الوقت نفسه تُفاوضها على الملف النووي. وهذا يجعل لبنان ساحةً للتوتر بين مسارَين أميركيَّين يسيران بالتوازي دون تنسيق واضح، مما يُصعّب على أي طرف لبناني التعامل مع واشنطن بوصفها وسيطاً موثوقاً أحادي الاتجاه.

طهران ولعبة الضغط المتوازي

إيران تجد نفسها في موقف بالغ الدقة والتعقيد. هي تُفاوض واشنطن على الملف النووي بدافع ملحّ هو رفع العقوبات الاقتصادية الخانقة التي تُنهك اقتصادها. لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تبدو وكأنها "باعت" حزب الله لأن ذلك سيُقوّض مكانتها كراعٍ للمقاومة في المنطقة ويُضعف موقفها التفاوضي في قضايا أخرى.

تصريح الحرس الثوري الإيراني الرافض لاتفاق وقف إطلاق النار اللبناني لا يُمثّل موقفاً نهائياً بالضرورة، بل هو ما يُعرف في الدبلوماسية بـ"بالون الاختبار". هدفه إيصال رسالتَين في وقت واحد: للداخل الإيراني يقول "لم نتخلَّ عن "المقاومة" وأمانة الشهداء"، وللأميركيين يقول "ثمن التنازل في لبنان يجب أن يُقابَل بتنازل أميركي موازٍ في الملف النووي أو في رفع العقوبات".

وقد أضاف التصريح الترامبي عن سوريا وأحمد الشرع ضغطاً إضافياً على طهران من زاوية جديدة. فإيران التي خسرت الممر السوري لإمداد الحزب بعد سقوط نظام الأسد باتت ترى في التصريح الأميركي محاولةً لتحويل سوريا ما بعد الأسد من خسارة استراتيجية إيرانية إلى أداة ضغط إضافيّة. وهذا يُضيّق هامش المناورة الإيرانيّة ويدفع طهران نحو تصعيد موقفها الدعوي لحزب الله في لبنان تعويضاً عن تراجع نفوذها السوري. وهذا انسحب على لبنان بالهجوم الصاروخي الايراني على اسرائيل بعد الاعتداءات الّي نفذّها الطيران الحربي الاسرائيلي على ضاحية بيروت الجنوبيّة.

تل أبيب وتناقض الدقة المطلوبة

حكومة نتنياهو تنظر إلى المفاوضات الأميركية-الإيرانية بقلق استراتيجي عميق. فأي اتفاق نووي قد يُعيد الشرعيّة الدولية لإيران ويُخفّف العقوبات عنها، مما يُعزز قدرتها على تمويل حزب الله وأذرعها الإقليمية. ومن هنا يأتي الدافع الإسرائيلي لتحقيق أكبر قدر ممكن من الأهداف الميدانيّة قبل إغلاق أيّ نافذة دبلوماسية.

لكن التصريح الترامبي بأنه "يريد ضربات أكثر دقةً" يُشكّل نقطة توتّر خفيّة في العلاقة الأميركية-الإسرائيلية. فنتنياهو يُريد تصعيداً موسّعاً يُحقق أهدافه قبل أي اتفاق إيراني-أميركي، (وهذا ما فعله بالهجوم على ايران اليوم) بينما ترامب -رغم دعمه الكامل لإسرائيل- يسعى إلى تجنّب الصور التي تُحرج إدارته دولياً والمتمثّلة في مشاهد الضحايا المدنيين الجماعيّة. هذا التوتر في الدرجة لا في الجوهر هو الذي يُفسّر ما قاله ترامب عن الخلاف مع نتنياهو "في بعض الأمور". والمعادلة الإسرائيلية التي وصفها عون بـ"قصيرة النظر" تُفشّل نفسها بنفسها: فكل ضربة إضافية تُشرّد مئات الأسر وتُنتج شريحة جديدة من المجنّدين المحتملين لأيّ حزب الله مستقبلي.

الأوروبي الصوت الأضعف والهاجس الأعمق

في هذا السياق يحتل الاتحاد الأوروبي الموقع الأضعف تأثيراً في هذه المعادلة، لكنه يحمل الموقف الأكثر اتساقاً من حيث المبدأ: دعم قرار ​مجلس الأمن​ 1701، وحل دبلوماسي يحترم سيادة الدولة اللبنانية، وتعزيز دور ​اليونيفيل​ ومؤسسات الدولة. أوروبا تنظر بقلق متصاعد إلى التصريح الترامبي عن سوريا وأحمد الشرع، لأنّه يُدخل متغيّراً إضافياً في المعادلة اللبنانية يصعب التنبؤ بتداعياته. فبروكسل التي تُموّل إعادة الاستقرار اللبناني وتدعم الجيش اللبناني والمؤسسات تجد نفسها أمام مشهد يتشكّل فيه القرار في واشنطن وطهران وتل أبيب ودمشق في آنٍ معاً، بينما يُقلّص دورها إلى ما يشبه التمويل دون التأثير.

الهاجس الأوروبي الأعمق هو أن يتحوّل الملفّ اللبناني إلى "بند جانبي" في صفقة أميركية-إيرانية كبرى تُبرَم فوق رؤوس اللبنانيين وخارج أيّ إطار مؤسّسي متعدّد الأطراف. فأوروبا استثمرت سياسياً ومادياً في مؤسسات لبنان، وتخشى أن تُصادَر ثمار هذا الاستثمار في غرف مغلقة.

حين يكون القرار خارج بيروت!

وفي قراءة متأنية لخطاب قاسم ومقابلة عون وتصريح ترامب يتكشّف في نهاية المطاف عن حقيقة واحدة موجعة: لبنان ساحة تتقاطع فيها إرادات خمس عواصم على الأقل، لا تتفق فيما بينها على الكثير، لكنها تتفق ضمنياً على شيء واحد: وهو أن ما سيُقرَّر بشأن لبنان لن يُقرَّر في بيروت.

قاسم يُقرّ بذلك ضمنياً حين يُصنّف معارك لبنان في سياق الصراع الأوسع مع "العدوان الأميركي-الإسرائيلي". والرئيس جوزاف عون يُقرّ بذلك صراحةً حين يُجاهر بأن إيران "تستعمل لبنان ورقةً تفاوضية". وترامب يُقرّ بذلك حين يستدعي أحمد الشرع وسوريا في معادلة لبنانيّة لم يستشر فيها اللبنانيين.

خطاب قاسم هو خطاب حرب طويلة موجّه للحفاظ على التماسك الداخلي للحزب وتحصين الورقة الإيرانية في مفاوضات طهران-واشنطن، لا لتقديم حلٍّ لأزمة لبنانية. ومقابلة عون هي خطاب دولة مأزومة تُحاول استرداد هامشٍ من السيادة في مشهد يُنذر بصفقة كبرى تُرسم فوق رأسها. وبين هذَين المنطقَين المتعارضَين، وفي ظل تصريحات أميركية تُضيف ورقة سوريّة إلى لعبة شديدة التعقيد أصلاً، يدفع اللبنانيون الثمن الأفدح: ثلاثة آلاف وخمسمئة شهيد، وعشرة آلاف مصاب، وأكثر من مليون نازح، وطفل يموت كل ساعة وأربعين دقيقة بحسب المعدل اليومي الذي أورده الرئيس عون نفسه.

وهذا، في الخلاصة، هو المأساة اللبنانية الحقيقية التي لا خطاب يُعبّر عنها كما ينبغي: أن يكون البلد الصغير ساحةً لحروب كبرى منذ عام 1969، وأن تتكاثر العواصم المتحكّمة في مصيره، وأن يظل صوت اللبنانيين الأعزل -صوت الذين يريدون ألا تُهدَم بيوتهم كل عشر سنوات- هو الصوت الأبعد عن مراكز القرار.