دخل ​اتفاق وقف إطلاق النار​ بين ​لبنان​ و​إسرائيل​ حيّز التنفيذ فجر الجمعة 17 نيسان، لمدة عشرة أيام، برعاية ​الولايات المتحدة الأميركية​، في لحظة إقليمية مثقلة بالترقّب والتعقيد. هدنة قصيرة زمنياً، لكنها ثقيلة بالأسئلة، وتكاد تختصر مشهداً كاملاً من الضباب السياسي والعسكري، حيث لا تبدو الحرب قد انتهت فعلاً، ولا ​السلام​ قد بدأ بعد.

وقد انقسمت القراءات السياسية بين من يرى في هذه الهدنة مجرد استراحة تكتيكية لالتقاط الأنفاس، فرضتها واشنطن على تل أبيب لاعتبارات تتجاوز الساحة اللبنانية، وبين من يعتقد أنها قد تكون مدخلاً تدريجياً لمسار تفاوضي غير مسبوق بين لبنان وإسرائيل، تمهيداً لكسر محرمات تاريخية تحت المظلة الأميركية.

ووفقاً لمصادر سياسية لـ"النشرة"، فإن هذا الانقسام يصطدم بسؤالين عمليين يختصران مصير الأيام العشرة:

الأول: هل تلتزم إسرائيل فعلاً بالهدنة؟ خصوصاً أن مذكرة التفاهم التي استند إليها الاتفاق تكرّس عملياً “حرية الحركة” الإسرائيلية داخل لبنان، وهو بند سبق أن استُخدم بعد وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024 لتبرير عملياتها العسكرية. ما يعني أن مفهوم “الهدنة” هنا يبدو هشاً، وقابلاً للاختراق في أي لحظة، تحت ذرائع أمنية جاهزة.

الثاني: ماذا لو بادرت إسرائيل إلى استهداف موقع أو هدف داخل لبنان بذريعة إحباط هجوم ل​حزب الله​؟ هل يرد الحزب ويفجّر الهدنة سريعاً، أم يكرر سياسة “الصبر الاستراتيجي” التي اعتمدها لأشهر طويلة، مفضلاً احتواء التصعيد بدل الانزلاق إلى حرب شاملة؟ هذا السؤال تحديداً لا يتعلق فقط بالقرار العسكري، بل بحسابات أوسع تتصل ب​التوازنات الإقليمية​ والدور الإيراني والضغط الأميركي.

الخط الأصفر

على وقع هذين السؤالين، يخشى مراقبون عسكريون عبر "النشرة"، من استغلال إسرائيل لهذه الهدنة والسيطرة على ما تريد سلمياً بعدما عجزت عنه عسكرياً، وهو ما تُرجم بإعلانها عن إنشاء "الخط الأصفر"، أي جعله منطقة محروقة أمنياً ومحظورة على السكان، أي أنها توسعت من احتلال 5 مواقع عسكرية إلى شريط حدودي يشبه تماماً ما فعلته في غزة.

ووفق المراقبين، فإن الخط الأصفر هو عبارة عن منطقة أمنية عازلة تضم نحو 55 بلدة موزعة بين القطاع الغربي (البياضة)، والقطاع الأوسط (بنت جبيل)، والقطاع الشرقي (الخيام)، بعمق يتراوح بين 3 و8 كيلومترات. وهو تموضع لا يوحي بانسحاب وشيك، بل بإعادة انتشار مدروس.

ويوضح هؤلاء أن الوقائع على الأرض تشير بوضوح إلى أن "الخط الأصفر"، بعد الأزرق الحدودي، قسم الجنوب إلى مناطق مختلفة: شريط أمامي على الحافة جرى تدمير نحو 20 بلدة فيه بشكل شبه كامل، لمنع عودة سكانه، ومنطقة ثانية محاذية تضم نحو 35 بلدة جرى حظر العودة إليها. وبذلك تصبح عشرات البلدات (نحو 55)، تحت سيطرة نارية مباشرة، تمتد حتى جنوب الليطاني، مع قدرة إسرائيل على التدخل عسكرياً متى تشاء.

ويرى ​المراقبون العسكريون​ أن هذا الواقع يشي بأن الهدف يتجاوز الأمن التكتيكي إلى محاولة فرض معادلة ديموغرافية جديدة: شريط حدودي خالٍ من السكان، يمكن تحويله لاحقاً إلى ورقة تفاوض في أيّ مسار سياسي محتمل لنزع سلاح حزب الله وتوقيع اتفاقية سلام وفق الرؤية الإسرائيلية. بمعنى آخر، ما تعجز عنه الحرب الكاملة، تحاول إسرائيل تحقيقه عبر هدنة مشروطة.

عودة ثم نزوح

وبين الأسئلة والخط الأزرق، حملت الهدنة في الميدان مشهداً متناقضاً بين عودة حذرة بداية، ثم نزوح سريع لاحقاً. فقد بدت “العودة” إلى القرى الجنوبية حذرة، بطيئة، ومجزأة، وسط دعوات التريث من قبل حزب الله و​حركة أمل​، إلى جانب توجيهات الجيش اللبناني، عكست إدراكاً واضحاً بأن الهدنة لا تعني الأمان الكامل.

ويُعزى السبب إلى عقبات كثيرة أمام العودة:

أولاً، استمرار الاحتلال الإسرائيلي لبلدات كاملة تعرّضت لتدمير شبه كلي، ما يجعل العودة إليها مستحيلاً.

ثانياً، منع السكان من العودة إلى قرى “النسق الثاني”، بما يشير إلى رسم خطوط ميدانية جديدة لا علاقة لها بالحدود الدولية.

ثالثاً، تدمير البنية التحتية، خصوصاً الجسور، ما يجعل الوصول إلى جنوب ​نهر الليطاني​ مهمة معقّدة.

رابعاً، خطر الذخائر غير المنفجرة، الذي يحوّل الأرض إلى حقل تهديد صامت.

خامساً، فقدان مقومات الحياة من مياه وكهرباء وإنترنت.

سادساً، الخشية المستمرة من خروقات إسرائيلية مفاجئة، وقد سُجل بالفعل خروقات كثيرة خلال فترة قصيرة، ما دفع العائدين إلى النزوح مجدداً مع تكرار الدعوات إلى الاطمئنان على المنازل والممتلكات والعودة إلى أماكنهم الموقتة.

في المحصّلة، تبدو الأيام العشرة أقرب إلى اختبار نيّات منها إلى تسوية فعلية. هي هدنة تقف على حافة احتمالين متناقضين: إما أن تكون فاصلاً زمنياً قصيراً قبل جولة قتال جديدة أكثر شراسة، أو أن تتحول، تدريجياً، إلى مدخل لمسار تفاوضي طويل ومعقّد، وسط انقسام سياسي وشعبي غير مسبوقين مع كسر المحرمات.