مع كل جولة مواجهات عسكريّة بين عناصر الجيش الإسرائيلي ومقاتلي "حزب الله"، كان قادة هذا الأخير ومسؤوليه يؤكّدون أنّ "الكلمة للميدان"، مُشدّدين على أنّ الوقائع على الأرض في ساحات القتال هي التي تُحدّد الرابح والخاسر في أي حرب. وغالبًا ما ترافق هذا الشعار مع غضّ الطرف عن عدد ضحايا مجازر قوّات الاحتلال، وحجم التدمير المُمنهج للمباني والبيوت، ونسبة النزوح الجَمَاعي الناجمة عن الحرب تحت وطأة القصف والإنذارات، والتي بلغت أخيرًا كل المنطقة جنوب نهر الزهراني وليس جنوب نهر الليطاني فحسب! فماذا عن الوقائع على الأرض وما الذي يُشير إليه الميدان حاليًا؟
على الرغم من غياب الأرقام الدقيقة، وتلك التي تُميّز بين المدنيين والمقاتلين، الأكيد أنّ الخسائر في الأرواح في صفوف اللبنانيين تفوق بكثير تلك في صفوف الإسرائيليين، حيث بلغ عدد الضحايا منذ تشرين الأوّل 2023 حتى اليوم نحو 8000 شهيد في لبنان (منهم أكثر من 4000 سقطوا حتى تاريخ اتفاق "وقف الأعمال العدائية" في تشرين الثاني 2024) في مقابل أقل من 200 قتيل في إسرائيل! وبالنسبة إلى الجرحى، بلغ عددهم حتى تاريخه نحو 25000 في لبنان في مقابل نحو 3000 في إسرائيل بين مدنيين وعسكريين. في ما خصّ الخسائر المادية، بلغ عدد الوحدات السكنيّة المُدمّرة في لبنان على مدى ثلاث سنوات أكثر من 230000 وحدة سكنية، منها أكثر من 27000 وحدة تعرّضت لتدمير كامل وليس جزئيًا، في مقابل تضرّر نحو 4000 شقّة ومنزل (أغلبيتها جزئيًا) في إسرائيل نتيجة انفجار الصواريخ والطائرات المُسيَّرة. وبالنسبة إلى حجم التهجير، تسبّبت الحرب على لبنان (عند بلوغها ذروتها) في نزوح نحو 1.2 مليون شخص، في مقابل نحو 200000 شخص في إسرائيل أخلوا منطقة الشمال الإسرائيلي نحو الداخل.
بالانتقال إلى الواقع الميداني، تعمل قوات الاحتلال الإسرائيلي رويدًا رويدًا منذ تجدّد المواجهة مع "الحزب" مطلع آذار الماضي على تشكيل منطقة عازلة داخل لبنان، وهي باتت حاليًا تفرض سيطرتها على ما يُمكن وصفه بالحزام الحدودي العازل بعمق يتراوح بين 5 و12 كيلومترًا، الأمر الذي فصل نحو 85 بلدة وقرية لبنانية تقع شمال الخط الأزرق الحدودي عن محيطها. وباتت عودة الأهالي مُحظّرة بقوة الاحتلال أو بالنار، إلى ما مجموعه 25 بلدة في قضاء مرجعيون، و23 في بنت جبيل، و19 في صور، و11 في حاصبيا، و6 في النبطية، إضافةً إلى بلدة واحدة في قضاء راشيا. تذكير أنه في فترة الاحتلال الإسرائيلي لما كان يُسمّى "الشريط الحدودي"، منذ العام 1985 وحتى الانسحاب سنة 2000، وقعت ما بين 100 إلى 120 قرية وبلدة تحت سيطرة الاحتلال (تبعًا للفترة الزمنيّة المعنيّة، إذ إنّ "خط التماس" تبدّل أكثر من مرّة).
وما يحصل في الأيّام والساعات الماضية من تقدّم ميداني على الأرض خارج ما يُسمّى "الخط الأصفر"، وتحديدًا في المنطقة الفاصلة بين نهري الليطاني والزهراني، يؤكّد أنّ الجيش الإسرائيلي قادر عندما يريد التقدّم على الأرض، ولو بشكل بطيء وبثمن عسكريّ واضح. فالحروب ليست نزهة، وهي تُقاس بالنتائج الإستراتيجية المُحقّقة، وليس بالكلفة حصرًا، وفي هذا السياق، وبالمُقارنة بالحرب الروسية-الأوكرانية، اعترفت وزارة الدفاع الروسية رسميًا بأنّها خسرت 61000 عسكري منذ بداية اجتياح أوكرانيا في 24 شباط 2022، في حين أنّ الأرقام الغربية تتحدّث عن موت نحو 150000 عسكري روسي على الأقل، وعن إصابة 11000 دبّابة روسية على مدى أربع سنوات من الحرب!
في ما خصّ خسائر الجيش الإسرائيلي في الأرواح منذ تجدّد الهجمات والتوغّلات الإسرائيلية في لبنان اعتبارًا من آذار الماضي، فقد بلغت أقل من 30 قتيلًا وأكثر بقليل من 1000 جريح. وبالنسبة إلى خسائر قوات الاحتلال من دبّابات ميركافا التي تُعدّ رأس حربة في هجماته، تُشير الأرقام إلى إصابة نحو 130 دبّابة، منذ العام 2023 حتى اليوم، منها 40 دبابة دُمّرت بشكل كلّي، في حين أصيبت 90 دبابة أخرى بشكل جزئي، وهي خرجت من الخدمة لمدّة زمنيّة قصيرة خضعت خلالها للصيانة قبل أن تعود إلى أرض المعركة. يُذكر أنّ الجيش الإسرائيلي يملك نحو 1500 دبابة ميركافا بأجيالها الأربعة، منها نحو 500 من طراز "مارك 4" الأحدث.
إذًا، من الواضح أنّ الخسائر البشريّة والمادية في لبنان هي أكبر بكثير من تلك في إسرائيل، ولا مجال لإيجاد توازن رعب، إذ إنّ "الحزب" قادر على إلحاق خسائر جزئية ومحدودة في المستعمرات، في مقابل تمتّع الجيش الإسرائيلي بقدرة مخيفة على إلحاق الأذى بالمدنيّين اللبنانيّين وبممتلكاتهم ومنازلهم. وبالنسبة إلى واقع المعارك على الأرض، صحيح أنّ "حزب الله" قادر من خلال حرب الاستنزاف على إلحاق أذى كبير بصفوف قوّات الاحتلال، لكنّ الأصحّ أنّ أهميّة هذا الضرر تسقط عند مقارنته بالمكاسب التي حقّقها الجيش الإسرائيلي ميدانيًا، بدءًا بإعادة احتلال منطقة جغرافية واسعة من جنوب لبنان، مرورًا بتدمير البنية التحتيّة العسكريّة التي بناها "الحزب" على مدى عقدين ونصف من العمل السرّي المُضني، وصولًا إلى مسح قرى وبلدات كاملة عن الخريطة بحيث أنّ عودة الأهالي إلى هذه المنطقة مستحيلة حاليًا بفعل الاحتلال، وستكون صعبة وبعيدة حتى في حال الانسحاب منها، إذ إنّ مشروعات إعادة إعمار ما تهدّم تستوجب أموالًا ضخمة والكثير من الجهد والوقت.
في المُحصّلة النهائية، إنّ "حزب الله" قادر بالتأكيد على استنزاف الإسرائيليّين، لكنّه غير قادر على حماية لبنان، ولا شعبه، ولا قراه وبلداته. فالقُدرة على إيقاع خسائر مؤلمة بقوّات الاحتلال وعلى تأخير سرعة تقدّمه برًّا شيء، والعجز عن إيقاف توالي سُقوط المزيد من القرى والبلدات والمواقع الإستراتيجية، شيء آخر. وبحسب الوقائع، من الواضح أنّ شعار "الكلمة للميدان" ارتدّ سلبًا على "حزب الله"!























































