مرّت أيام على دخول وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل حيّز التنفيذ لمدّة عشرة أيام برعاية أميركية، مع نص يتيح تمديده باتفاق الطرفين، بالتزامن مع انطلاق محادثات مباشرة في واشنطن هي الأولى من نوعها منذ أكثر من ثلاثة عقود، على أن تُستكمل بجولة ثانية هذا الأسبوع.
في الشكل، تبدو اللحظة الراهنة انتقالًا من منطق النار إلى أروقة السياسة. أما في الجوهر، فالسؤال الأكثر إلحاحًا ليس ما إذا كانت الهدنة ستصمد فقط، إنما ما إذا كانت الدولة اللبنانية تملك الوقت الكافي والأدوات اللازمة لملء الفراغ جنوبًا قبل أن تتحول الوقائع المفروضة على الأرض إلى مرجعية تفاوضية يصعب تجاوزها.
هنا، تبدو المعضلة أوسع من هشاشة الهدنة نفسها. فإسرائيل ما تزال ممسكة بخط انتشار متقدم داخل العمق الجنوبي، وقد نشرت خريطة تحظر على اللبنانيين دخول نطاق يضم 21 بلدة والاقتراب من منطقة الليطاني، فيما تشير المعطيات إلى أن وجودها يمتد في بعض القطاعات بين خمسة وعشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، مع استمرار عمليات الجرف والهدم. وهذا يعني أن الهدنة لا تعمل فوق أرض متجمدة، وإنما فوق ميدان سيّال يُعاد تشكيله يوميًا.
من هنا، يتبدل مركز الثقل في السؤال السياسي، إذ لم تعد المسألة محصورة في فرص صمود الهدنة أو قدرة واشنطن على جمع الطرفين مجددًا، وإنما في قدرة لبنان الرسمي على تحويل هذه الأيام المعدودة إلى فرصة لتثبيت حضور الدولة عسكريًا وإداريًا وسياديًا، بدل أن تتحول إلى فسحة زمنية تسمح لإسرائيل بترسيخ أمر واقع جديد تحت ستار التهدئة المؤقتة. وهذه هي النقطة التي تجعل الجنوب اليوم ساحة اختبار للدولة، لا مجرد ساحة تفاوض.
الهدنة كفرصة ضيقة
عمليًا، لا تمنح الهدنة الحالية لبنان استقرارًا ناجزًا، بقدر ما توفر له هامش حركة محدودًا ومحفوفًا بالمخاطر. فوجود النص السياسي والرعاية الأميركية مهمان، لكنهما لا يلغيان حقيقة أن الطرف الآخر لا يتعامل مع الهدنة كخط نهاية، وإنما كمرحلة انتقالية قابلة للاستثمار الجغرافي والسياسي. وهذا ما يجعل الهدنة أقرب إلى نافذة ضيقة يمكن أن تُستثمر سياديًا، أو تُهدر فتتحول إلى غطاء لوقائع جديدة.
في هذا السياق، لا يكفي أن تُقرأ الهدنة على أنها تراجع مؤقت للعنف. المهم هو ما إذا كانت ستُترجم إلى تعزيز لدور الدولة في الجنوب: انتشارًا، وإدارةً، وفتحًا للطرق، وتسهيلًا لعودة الأهالي حيث أمكن، وتثبيتًا لفكرة المرجعية الرسمية. فإذا نجح لبنان في ذلك، تكون التهدئة قد تحولت إلى رصيد سيادي. أما إذا استُنزفت الأيام العشرة في انتظار التمديد أو نتائج الجولات التفاوضية، فقد تنتهي الهدنة وقد خلّفت وراءها جنوبًا أكثر تقييدًا وارتهانًا للاشتراطات الأمنية الإسرائيلية.
الفراغ أخطر من النار
لحظات التحول الكبرى، لا يكمن الخطر في النار وحدها، وإنما في الفراغ الذي ينمو في ظلها. بهذا المعنى، فإن الجنوب اليوم لا يحتاج فقط إلى صمت المدافع، وإنما إلى مرجعية قانونية وإدارية واضحة تدير العودة، وتمنع تحول المناطق المنكوبة إلى مساحات رخوة قابلة للضبط من الخارج.
هنا تبرز وظيفة الجيش اللبناني كضرورة سيادية عملية، ليس لأنه يغيّر وحده موازين القوى، وإنما لأنه الجهة الوحيدة القادرة على تحويل فكرة الدولة من خطاب تفاوضي إلى حضور ملموس على الأرض.
لكنّ الفراغ هنا لا يقتصر على بعده الأمني، إذ إنه فراغ سيادي ونفسي أيضًا. فعندما يتأخر حضور الدولة في مناطق مثقلة بالدمار، تملأ إسرائيل هذا الفراغ بخرائطها وتحذيراتها وتعريفاتها الأحادية للمكان. عندها، يتحول الجنوب إلى ملف يُدار من الخارج أكثر مما يُستعاد من الداخل.
لذلك، فإن معركة ملء الفراغ ليست عنوانًا إنشائيًا، وإنما جوهر الصراع السيادي في هذه اللحظة. وتدعم الوقائع الميدانية هذه القراءة، مع استمرار القيود الإسرائيلية على الحركة داخل الشريط الحدودي وما حول الليطاني.
التفاوض لا يحمي وحده
لا شكّ أن المحادثات المباشرة في واشنطن تطور مهم من حيث الشكل، وخصوصًا أنها الأولى منذ عقود، كما أن استمرار الوساطة الأميركية وعقد جولة ثانية هذا الأسبوع يمنح المسار السياسي وزنًا لا يمكن الاستهانة به.
غير أن قيمة الطاولة تبقى مرتبطة بما يحدث خارجها. فالتفاوض لا يملك قيمة ذاتية إذا كان الميدان أسرع منه، وإذا كانت الوقائع تُنتج يوميًا على الأرض بوتيرة تتقدم على النصوص. وكلما اتسعت الفجوة بين زمن الطاولة وزمن الأرض، ازداد خطر تحول الدبلوماسية إلى أداة لتنظيم الخسارة أو تقنين الأمر الواقع.
هنا تتضح حاجة لبنان إلى مقاربة مزدوجة: تفاوض يحمي الحقوق السياسية، وحضور ميداني يحمي الأرض من التآكل اليومي. فلبنان لا يملك ترف الرهان على الدبلوماسية الخالصة، فيما يواصل الطرف الآخر تعديل وظيفة الجنوب تحت ضغط الانتشار والهدم والتحذير ومنع العودة.
وإذا كانت إسرائيل تسعى إلى جعل هذه الوقائع نقطة انطلاق لأي اتفاق لاحق، فإن الرد اللبناني المنطقي لا يكون بالاعتراض الخطابي وحده، وإنما بالإمساك الفعلي بما يمكن الإمساك به على الأرض. فالمفاوضات، مهما كانت أهميتها، لا توقف وحدها مفعول الخرائط إذا تُركت لتتحول إلى حقائق دائمة.
الجنوب كاختبار نهائي لفكرة الدولة
في المحصلة، قد تكون هذه الهدنة أقصر من أن تصنع سلامًا دائمًا، لكنها كافية لكشف حجم المأزق وحجم الفرصة في آن.
المأزق يكمن في أن الجنوب يُعاد تشكيله بينما الدولة تحاول اللحاق بالميدان. أما الفرصة، فتكمن في أن هذه الأيام نفسها قد تسمح للبنان بإثبات أن الدولة ليست مجرد مطلب دولي أو عنوان تفاوضي، وإنما الجهة التي تفتح الطرق، وتملأ المساحات المعلقة بين الاحتلال والهدنة، وتمنع تحول التهدئة إلى معبر هادئ نحو تكريس الوقائع الجديدة.
هل ينجح لبنان في منع تثبيت الأمر الواقع؟ هذا هو السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح اليوم، حتى قبل السؤال عن احتمالات تمديد الهدنة. فإذا نجح، يكون قد حوّل التهدئة إلى مدخل سيادي فعلي. وإذا أخفق، فقد يجد نفسه أمام جنوب تغيّرت قواعده، فيما كانت الدولة تراهن على أن طاولة المفاوضات ستعالج وحدها ما فرضه الميدان بقوة السلاح.













































