على الرغم من استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، في ظل الهدنة المعلنة برعاية أميركية، يبقى العنوان الأبرز، على الساحة المحلية، هو السجال حول خيار المفاوضات المباشرة، لا سيما أن المسار الذي كان يعتمد في الماضي هو المفاوضات غير المباشرة، حيث تسود حالة من الانقسام العامودي بين الأفرقاء الفاعلين، قد يكون لها تداعيات خطيرة.
في هذا السياق، يمكن الجزم بأن لبنان يعيش لحظة قد تكون الأخطر في تاريخه الحديث، بعد التحولات التي برزت على مستوى المنطقة في السنوات الماضية، تحديداً بعد السابع من تشرين الأول عام 2023، حيث المشكلة الفعلية لا تقتصر على العدوان المستمر، الذي جاء بعد انهيار على المستوى المالي في العام 2019، بالإضافة إلى الانفجار في مرفأ بيروت عام 2020، بل في طريقة التعامل مع هذا التحدي.
هنا، ترى مصادر متابعة، عبر "النشرة"، أنه لا يمكن انكار أن الانقسام الحاصل يطال خيارات مصيرية، حيث يعتبر البعض أن المطلوب دعم مسار السلام مع إسرائيل بشكل كامل، بينما يرى البعض الآخر أن ذلك غير ممكن، مشيرة إلى ضرورة تفكيك المعادلة القائمة، من أجل البحث فيما هو ممكن وما هو شبه مستحيل، حيث البداية يجب أن تكون حول حقيقة ما تريده تل أبيب، من أي مفاوضات مع لبنان، في ظل الشروط الموضوعة من قبلها.
بالإضافة إلى ذلك، تشير المصادر نفسها إلى أنه لا يمكن تجاهل أن الذهاب إلى أي مفاوضات، يجب أن ينطلق من خلال تجميع كل فريق أوراق القوة التي لديه، ما يستدعي السؤال عما لدى الجانب اللبناني منها اليوم، فهو الذي يتعرض للاعتداء وأرضه محتلة ولا يملك معادلة ردع فعلية، كما أنه منقسم على نفسه حول ما يجب القيام به في مواجهة هذا الواقع.
وتشدد هذه المصادر على ضرورة البحث أيضاً في الإطار التفاوضي، أي القوى التي تتولى الوساطة أو الّتي من الممكن أن تشكل مظلة دعم، حيث السؤال عما إذا كان الدخول في مفاوضات برعاية أميركية فقط يصب في صالح لبنان، خصوصاً أنها كانت الجهة الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار السابق، الذي كان ينفذ من جانب واحد هو لبنان، في حين بات من الواضح أن إسرائيل تفضل هذا المسار، في ظل الدعم المفتوح الذي تحظى به من قبل الولايات المتحدة.
في هذا الإطار، تشدد المصادر المتابعة على أن المقصود مما تقدم ليس رفض خيار التفاوض، المباشر أو غير المباشر، بل البحث في أهدافه وظروفه الداخلية والخارجية، نظراً إلى أن أي خطوة ناقصة من الممكن أن يكون لها تداعيات كبيرة، حيث تلفت إلى أن الهدف اللبناني المعلن هو وقف العدوان وتأمين الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، بالإضافة إلى إعادة الأسرى والإعمار وعودة النازحين إلى مناطقهم، الأمر الذي لا يختلف عليه أحد، إلا أن لدى الجانب الإسرائيلي ما ينسف هذا الهدف برمته.
من وجهة نظر المصادر نفسها، من الطبيعي التشديد، كما هو الحال دائماً، على أهمية وجود موقف موحد حول كيفية تحقيق هذا الهدف، ثم البحث في كيفية تأمين مظلة دعم خارجية له، بالتحديد من قبل الدول العربية الفاعلة، بعيداً عن المزايدات التي يذهب إليها الكثيرون، على اعتبار أن الذهاب إلى التفاوض من دون ذلك، يعطي إسرائيل القدرة على فرض شروطها، من خلال استغلال عامل الانقسام الداخلي، الذي تعمل على تعزيزه، نظراً إلى أنه يسهل عليها تحقيق أهدافها.
في المحصّلة، تشدد هذه المصادر على أن المسؤولية، في هذا المجال، لا تقع على الجانب الرسمي فقط، بل هناك أيضاً مسؤولية على الفريق الرافض للمسار المختار، نظراً إلى أنه لا يستطيع أن يتعامل وفق الخطاب السابق، بعيداً عن خيارات باقي الأفرقاء المحليين، كما أنه لا يمكن له تجاهل التوازنات القائمة على المستويين الإقليمي والدولي.
















































