بالنسبة إلى السُلطة السياسية في لبنان، ممثّلة برئيس الجمهورية العماد جوزاف عون والحكومة بأغلبية الوزراء فيها، إنّ الجلوس على طاولة المفاوضات يُشكّل الأسلوب الأفضل لاستعادة الأرض المحتلة في الجنوب، وإنهاء الحرب بشكل تام. وتوجد قناعة بأنّ غير ذلك من أساليب، لن يجلب سوى المزيد من القتل والدمار والتهجير والخراب، إلخ. في المقابل بالنسبة إلى "حزب الله"، ومعه قلّة من القوى السياسية التي لا تزال تُجاهر علنًا بدعم سياساته، إنّ القتال والعمليات العسكرية تُشكّل الأسلوب الوحيد لإخراج جيش الاحتلال الإسرائيلي من الجنوب مُجدّدًا، وغير ذلك يخدم سياسة إسرائيل، ويُمثّل رضوخًا لشروطها، وتنازلًا عن حقوق السيادة! فأي مسار قد يكون مثمرًا بالفعل؟
من وجهة نظر الشرعية اللبنانية، كان يجب إبقاء لبنان خارج كل هذا الصراع الإقليمي، وخارج حروب المحاور، لكن بعد أن حصل ما حصل، لم يعد يوجد أيّ خيار لوقف الحرب، سوى الذهاب إلى التفاوض، لأن كل يوم قتال إضافي، يعني عمليًا سقوط المزيد من الضحايا، وتوسّع رقعة الدمار، وزيادة أعداد النازحين. والمُشكلة القائمة أمام تحقيق أفضل نتائج في عملية التفاوض، ليست في مسألة التفاوض المباشر أو غير المباشر، فهذه مسألة ثانوية شكلية جرى التمسّك بها في السابق بحكم مُحرّمات خشبية مضى عليها الزمن، لأنّ الأعداء يتفاوضون، والقوى التي تتواجه عسكريًا في الميدان تتفاوض، والأمثلة الحديثة على ذلك كثيرة، من مفاوضات روسيا– أوكرانيا إلى مفاوضات واشنطن–طهران.
والمُشكلة الحقيقية أمام لبنان على طاولة التفاوض، هي كثرة المطالب اللبنانية، بدءًا بمسألة تثبيت ترسيم الحدود، مرورًا بانسحاب قوات الاحتلال من القرى والبلدات الجنوبية، والإفراج عن الأسرى والسماح بعودة النازحين إلى مناطقهم، ووقف كل الاعتداءات والغارات والتفجيرات، أي كل الخروقات البرية والجويّة والبحرية على اختلاف أنواعها، وُصولًا إلى رفع "الفيتو" عن تمويل إعادة الإعمار، في الوقت الذي لا يملك فيه المفاوض اللبناني أي أوراق قّوّة للمساومة عليها! فلا أراضي إسرائيلية واقعة بقبضة لبنان، ولا أسرى، ولا طائرات لبنانية تخرق الأجواء الإسرائيلية أو زوارق تخرق مياهها الإقليمية، إلخ. والمطلب الأوحد الذي ستُركّز عليه إسرائيل بالتالي يتمثّل في تجريد "حزب الله" من سلاحه، وابعاده عن الحدود، لأنّه الخطر الوحيد الذي يُهدّد أمنها، الأمر الذي سيضع السُلطة اللبنانية في موقف صعب، لأنّ هذا المطلب هو محط خلاف جوهري داخل لبنان، والالتزام به يعني الدُخول في صراع داخلي خطير. من هنا، يُشكّك الكثير من المحلّلين بما يُمكن أن تُقدّمه السُلطة في لبنان، لتأمين نيلها المطالب العديدة التي بحوزتها على طاولة المفاوضات، من دون أن تكون قادرة عمليًا على تقديم ما يهمّ.
ويذهب المُتشائمون إزاء نتائج المفاوضات أبعد من ذلك بالحديث عن أنّ أي اتفاق قد يحصل بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، لن يُلزم "الحزب" بشيء، وسيتعامل معه بحكم غير المَوجود. وهنا توجد مُعضلة جدّية، لأنّ "حزب الله" تعاطى أساسًا مع قرارات الحكومة اللبنانية التي صدرت في الأشهر القليلة الماضية، لجهة حظر أنشطته العسكرية والأمنية وكأنها لم تكن. ولا شيء يدلّ على أنّ هذا المسار سيتغيّر، في حال تعهّد الفريق اللبناني المفاوض بأي قرارات في مقابل المكاسب التي ينوي تحقيقها.
من جهة أخرى، من وجهة نظر "حزب الله"، إنّ خيار القتال هو السبيل الوحيد لإعادة إخراج قوّات الاحتلال الإسرائيلي من الجنوب، وتحقيق باقي المطالب، كما حصل في العام 2000، وكما حصل بعد حرب العام 2006، ما يعني أن لا ضرورة على الإطلاق للدخول في مسار تفاوضي مرفوض من أساسه! وأصحاب هذه النظريّة على قناعة بألا احتلال يدوم في أي مكان في العالم، وبأنّ الجانب الإسرائيلي لا يتحمّل كلفة حروب الاستنزاف، وهو سيُضطرّ في نهاية المطاف للانسحاب من دون أي مكاسب تُذكر، وإلا ستكون قوّاته عرضة لهجمات يوميّة–كما حصل في مراحل سابقة. كما يُعوّل أصحاب هذه النظريّة على الدعم الإيراني الكبير الذي يحظى به "الحزب" لتعزيز القدرة على مواجهة الشروط السياسية الإسرائيلية، ولتأمين مُستلزمات المواجهة العسكرية معه–في حال استلزم الأمر ذلك! لكنّ المُشكلة الحقيقية أمام هذا التوجّه أنّ الأحوال تغيّرت عمّا كانت عليه قبل تحرير العام 2000، وحتى عمّا كانت عليه قبيل صُدور قرار مجلس الأمن الدَولي رقم 1701 الذي أنهى حرب تموز العام 2006، وفي هذا السياق يُمكن تسجيل ما يلي:
1- الدعم اللوجستي الذي كان يستفيد منه "الحزب" بالعتاد والذخائر عبر الأراضي السورية انتهى، ما يعني أن قدرته على القتال صارت مربوطة زمنيًا بمدى تناقص مخزونه.
2- الإستراتيجية الإسرائيلية في الاحتلال تغيّرت، حيث لا مواقع ثابتة يُمكن استهدافها بسهولة، بل مواقع مراقبة مُحصّنة محدودة وسيطرة بالنار عن بُعُد.
3- اعتماد الاحتلال التدمير المُمنهج لكشف المناطق الجغرافية إلى مسافات بعيدة وتقليل احتمال الكمائن، وتطوّر التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية التي عزّزت القدرة على الرصد والتتبع والإغارة.
4- تغيير إستراتيجية الردود الإسرائيلية من حصرها في مناطق محدودة، لتشمل كل مساحة لبنان، ما يعني أن لا خيار لعودة حروب الاستنزاف الموضعيّة، بل يوجد خيار عودة الحرب على مصراعيها فقط.
5- فشل إيران في حماية قادتها من التصفية، وبلدها من الدمار، والنظام السوري من السُقوط، وغزّة من الإبادة...
في الخلاصة، لو كان الخيار العسكري لا يزال كفيلًا بإعطاء نتائج، لكنّا حصدنا هذه النتائج اليوم وليس غدًا، لكن ما حصل في لبنان منذ الثامن من تشرين الأول 2023، لجهة عودة الاحتلال وسقوط آلاف الشهداء والجرحى ومحو قرى وبلدات جنوبية من أساسها، يُثبت أن الخيار العسكري فشل فشلًا ذريعًا. والحكمة تقضي بتجربة خيار بديل، ولوّ أنّ النتائج المُرتقبة لا تعد بالكثير بسبب غياب توازن القوّة نتيجة خيارات إستراتيجية فاشلة اتخذها "حزب الله" وورّط بها كل الشعب اللبناني معه!