في المسلسل الفكاهي السوري "صح النوم"، برزت جملة كان يقولها احد ابطال المسلسل هي: "اذا اردت ان تعرف ماذا في إيطاليا عليك ان تعرف ماذا في البرازيل". اليوم، ومن خارج سياق الفكاهة، نغرق في جملة مشابهة من حيث التركيبة انما مختلفة تماماً من حيث المضمون والاسلوب الفكاهي لانها مأساوية، وهي: "اذا اردت ان تعرف ماذا في بيروت، عليك ان تعرف ماذا في اسلام اباد".
فعلى الرغم من الإصرار الرسمي اللبناني على فصل مسار المفاوضات مع إسرائيل عن مسار المفاوضات الجارية في باكستان، بقيت الأنظار في الداخل والخارج متجهة نحو العاصمة الباكستانية خصوصاً بعد لجوء الطرفين إلى رفع سقوفهما التفاوضية، عبر التهديد بالحصار البحري وباعتماد لغة القنابل المتفجرة من جهة والتلويح بإغلاق الممرات المائية من جهة أخرى، ضمن استراتيجية "عض الأصابع" التي لا تخفى على احد.
اراد الرئيس الأميركي دونالد ترامب دخول الجولة الثانية من المفاوضات متسلحاً بخطة "الضغط الأقصى" في نسختها الأكثر حدة، ساعياً لانتزاع تنازلات إيرانية تتجاوز الملف النووي لتشمل النفوذ الإقليمي، فيما ردت طهران للحفاظ على ماء الوجه من خلال إظهار "منعة عسكرية" رفعتها عالياً واوحت ان تكلفة فشل الدبلوماسية يشكل عبئاً لا تستطيع واشنطن أو حلفاؤها تحمله.
في قلب هذا الصراع، خضع لبنان لتجربة فريدة تمثلت في فصل مساره الميداني عن المسار السياسي المعقد في باكستان وذلك لحماية الساحة اللبنانية من أن تظل رهينة لتعقيدات التخصيب أو العقوبات النفطية. وبالفعل، أثمر هذا الفصل "هدنة هشة" خففت من وطأة الدمار، لكنها بقيت عرضة للاهتزاز بفعل الانتهاكات المتكررة التي تعمل على جهاز الاهتزازات الإقليمية والدولية. إن هذا الفصل، وإن كان مصلحة لبنانية ملحة لوقف نزيف الدماء، وضع الدولة اللبنانية في مواجهة مباشرة مع استحقاقات كبرى، أولها على الاطلاق سلاح حزب الله، وقرار تاريخي ببدء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل لم يكن قابلاً للتفكير به قبل سنوات. وضع لبنان شروطاً عدة للشروع في المفاوضات، ولكن قد لا يتمسك بها كلها لان الوضع لا يسمح له بذلك، كما ان تراكم الصعوبات والمشاكل لا يسهل الأمور. ما يؤلم في كل هذه التطورات، هو ان لبنان لا يزال معلقاً بحبال ما يجري في باكستان، ليس كغيره من الدول (اقتصادياً او باستهداف مصالح اميركية وإسرائيلية على ارضه) بل في كونه يحتاج الى الدول الإقليمية والدولية التي تمسك بشرائح معيّنة من طوائفه العديدة لتضمن دوراً بارزاً لها على ساحته وتلعب اوراقها من خلاله. وبالتالي، يبقى الخوف من ان سقوط المفاوضات في باكستان قد يعني تلقائياً سقوط "فصل المسارات"، ومن تحوّل الهدنة الهشة الحالية الى ترقب نقطة الخطأ الذي لا يمكن الرجوع عنه، حيث ستجد الأطراف نفسها مجبرة على العودة للميدان لتعويض الخسارة السياسية في باكستان. إضافة الى ذلك، فإن الفشل الدبلوماسي سيحرم لبنان من "شبكة الأمان" الاقتصادية، لان المساعدات عندها ستقتصر وبشكل معتدل جداً، على النواحي الطبية والغذائية، مع وضع مشاريع الاعمار والترميم وغيرها في ثلاجة الانتظار لان المغامرة في بيئة أمنية غير مستقرة، غير واردة. وبالتالي، سنشهد فترة من الركود والروتين اليومي يمتد الى حين تنفرج الأمور في الضفة الأخرى من العالم.
إن العلاقة بين "سقوف إسلام آباد" و"أمن بيروت" هي علاقة عضوية رغم محاولات الفصل الرسمي، ولا شك ان الرهان على تقارب أميركي-إيراني ناجح لجهة اعتباره جسراً يعبر بلبنان من ضفة "وقف إطلاق النار" الموقت إلى ضفة "الاستقرار المستدام"، فيما الفشل يبقى "قنبلة موقوتة" تنتظر الانفجار، وليس إلغاءه.