مع دخول هدنة الأيام العشرة بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية مكثفة، مرحلتها الأخيرة والحاسمة، وفي وقتٍ تتّجه فيه الأنظار نحو جولة ثانية من المحادثات المباشرة في الولايات المتحدة، يبدو أنّ "الغموض البنّاء" الذي رافق انطلاقة الاتفاق لا يزال سيّد الموقف، وسط مسعى واضح تقود واشنطن لتمديد هذه التهدئة ومنع عودة الانفجار العسكري الواسع، وذلك على الرغم من اتساع وتيرة الخروقات الإسرائيلية التي تصاعدت في الساعات الماضية لتشمل استهدافات ميدانية وجوية على أكثر من خط.
وإذا كان الحراك السياسي قد بات متقدّمًا على ما عداه منذ دخول الاتفاق حيّز التنفيذ قبل نحو أسبوع، فإنّ الصورة تبدو أكثر تعقيدًا وقتامة، إذ إن الطاولة التي يفترض أن تبحث في آليات وقف النار وترتيبات "اليوم التالي"، تأتي على وقع محاولة إسرائيلية مبرمجة لفرض وقائع ميدانية جديدة تُحوّل الجغرافيا إلى أوراق ضغط يُفاوض من فوقها الاحتلال. وفي المقابل، يذهب لبنان إلى هذه المواجهة الدبلوماسية وهو يفتقر إلى جبهة سياسية داخلية صلبة تمنحه "التفويض الكامل" لتحويل التفاوض إلى مسار وطني ناجز.
لذلك، تبدو الجولة الثانية من التفاوض في واشنطن اختبارًا حقيقيًا لطريقة دخول لبنان إلى هذا المسار المعقد بأسره، فبيروت لا تتعامل مع الطاولة الأميركية على أنها "قدرٌ وحيد" كافٍ بذاته، وإنما تتحرك في الوقت نفسه على خطوط موازية مع باريس والرياض، في محاولة واضحة لتوسيع الغطاء السياسي والسيادي قبل الذهاب أبعد في مسار حساس يتصل بالهدنة، والانسحاب، والحدود، وما سينتج عنهما من ترتيبات أمنية وجيوسياسية.
اختلال في ميزان اللحظة
باختصار، تدرك الدولة اللبنانية حجم الاختلال العابر في ميزان القوى عند هذه اللحظة الحرجة، ولذلك فهي لا تفضّل الدخول إلى نفق التفاوض من البوابة الأميركية المنفردة، بينما إسرائيل تفاوض من فوق وقائع ميدانية تواصل فرضها بقوة السلاح جنوبًا. فالانتشار الإسرائيلي المستمر، ونشر خرائط تحظر على اللبنانيين دخول نطاق 21 بلدة حدودية، والمنع القسري للاقتراب من منطقة الليطاني، مع استمرار الحديث الإسرائيلي والمحلي عن توسيع "الخط الأصفر" وتعميق السيطرة النارية، كلها عوامل تشير إلى أن إسرائيل تحاول تكريس سيطرتها الميدانية الجديدة عبر بوابة واشنطن.
من هذه الزاوية، لا يمكن النظر إلى واشنطن بوصفها مجرد مكان جغرافي لاستئناف المحادثات، بقدر ما هي "مرآة سياسية" كاشفة لحجم التصدع اللبناني حول حدود التفاوض ومعناه الوجودي. فبينما ترى الرئاسة والحكومة في هذا المسار "طوق نجاة" لتمديد الهدنة ووقف التدحرج نحو حرب شاملة، ينظر "حزب الله" إلى هذا الحراك الدبلوماسي بعين الريبة الاستراتيجية، وهو الذي يتوجّس مما يمكن أن تفرضه هذه الطاولة لاحقًا من نقاشات "محرمة" في قاموسه السياسي، تتناول مستقبل السلاح، ووظيفة الجنوب الأمنية، وموقع المقاومة في موازين القوى التي سيعاد تشكيلها بعد انقشاع غبار المعارك.
لماذا يحتاج لبنان إلى مظلة أوسع من واشنطن؟
لهذا السبب تحديدًا، يترافق الذهاب إلى واشنطن مع حركة سياسية موازية على خطي باريس والرياض، في إشارة واضحة إلى أن الدولة اللبنانية تحاول تدعيم ظهرها الخارجي قبل الدخول في عاصفة هذه العناوين الكبرى.
في الشكل، قد يبدو هذا التحرك الدبلوماسي إجراءً بروتوكوليًا عاديًا ضمن أي جهد دولي. أما في الجوهر، فهو يعكس قلقًا لبنانيًا من أن يتحول المسار الأميركي إلى سقف وحيد للعبة، وخصوصًا أن إسرائيل تذهب إلى التفاوض وهي "مدججة" بمكاسب ميدانية لم تتوقف عن الحركة جنوبًا. وهذا يعني أن لبنان لا يدخل جولة واشنطن من وضع متكافئ، بل من لحظة يملك فيها الطرف الآخر أفضلية "المكان"، فيما تمسك واشنطن نفسها بإدارة "الزمان" والمسار.
المشكلة بالنسبة إلى لبنان ليست في الرعاية الأميركية بحد ذاتها، فبيروت تدرك أن واشنطن هي الطرف الوحيد القادر على جمع الجانبين، وهي الممسكة بمفتاح تمديد الهدنة أو إعادة فتح باب الجحيم. غير أن التحدي يكمن في كيفية التفاوض تحت سقف أميركي صرف بينما إسرائيل تملك اليد الأعلى ميدانيًا وتدخل أي جولة وهي محمّلة بأوراق ضغط جاهزة للاستعمال السياسي والميداني.
باريس والرياض على الخط
من هنا، يبدو طبيعيًا أن تحاول الدولة اللبنانية توسيع المظلة، ليس بالضرورة لإلغاء الدور الأميركي المحوري، لكن لمنع تحوله إلى "احتكار كامل" لمسار يمسّ السيادة اللبنانية مباشرة. ولعلّ هذا ما يفسر أهمية الحضور الفرنسي المتزايد في خلفية المشهد، فالرئيس إيمانويل ماكرون أعلن بوضوح أن فرنسا ستساعد لبنان على التحضير للمفاوضات، مؤكدًا أن الأهم ليس "مكان الجلوس" بل القدرة على التأثير.
لا تكمن أهمية هذا الموقف في بعده الرمزي فقط، بل في أنه يمنح بيروت سندًا أوروبيًا يحاول تعديل شيء من اختلال الميزان، أو على الأقل يخفف من صورة الذهاب اللبناني إلى واشنطن وحيدًا و"مكشوفًا". فباريس هنا تلعب دور "الرافعة السياسية" التي تمنح المفاوض اللبناني هامشًا أوسع في التحضير وشرح الثوابت الوطنية أمام الضغوط الكبرى، مما يجعل من الدور الفرنسي حاجة فنية وسياسية في آن واحد.
وإذا كانت باريس تمنح لبنان بُعدًا أوروبيًا، فإن الرياض تمنحه السند العربي والسيادي الذي يحتاج إليه بشدة لترميم موقفه التفاوضي. هنا، يكتسب الاتصال بين الرئيس جوزاف عون وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان معنى يتجاوز الدبلوماسية التقليدية؛ فهو يبعث برسالة مفادها أن لبنان لا يدخل هذه المرحلة الحرجة من دون ظهير عربي وازن، وأن ثمة مصلحة عربية عليا في عدم تركه فريسة لضغوط الميدان وشروط الطاولة.
لا يعني ذلك أن الرياض ستكون حاضرة جسديًا في واشنطن، ولكن في عالم السياسة، تُقاس المظلات بمن يمنح المفاوضين "الشرعية والقدرة على المناورة". ولهذا تبدو الحركة اللبنانية بين العواصم الثلاث محاولة لكسر الانفراد الأميركي-الإسرائيلي بالقرار، ومنع تحول لبنان إلى الطرف الأضعف الذي يُملى عليه ولا يُحاور.
حدود الرهان اللبناني
مع ذلك، لا ينبغي المبالغة في تقدير قدرة هذه المظلة على قلب الموازين جذريًا في الوقت الحالي. فواشنطن تبقى الطرف الحاسم، وإسرائيل تبقى الطرف الذي يفاوض من فوق دبابة الانتشار العسكري الفعلي. كما أن المظلة الخارجية، مهما اتسعت وقويت، لا تستطيع وحدها تعويض "الهشاشة الداخلية". فلبنان ما يزال منقسمًا عموديًا حول جدوى التفاوض المباشر، و"حزب الله" يرى في المسار خطرًا استراتيجيًا، بينما تراه أطراف أخرى ضرورة قصوى لمنع الانهيار الشامل.
وهذا يعني أن الدولة لا تحتاج فقط إلى باريس والرياض قبل واشنطن، وإنما تحتاج، وبشكل ملحّ، إلى حد أدنى من التفاهم الداخلي؛ لأن الدعم الخارجي لا يتحول إلى قوة تفاوضية إلا إذا استند إلى جبهة وطنية متماسكة. هنا تبرز حدود الرهان اللبناني: المظلة الخارجية تمنع العري التفاوضي الكامل، لكنها لا تصنع القرار السيادي الذي يجب أن ينبع من الداخل اللبناني أولًا.
هل ينجح لبنان في كسر طوق "الانفراد"؟
في المحصلة، لا يحاول لبنان الهروب من استحقاق واشنطن، بل يحاول "تحصينه". هذا هو المعنى الحقيقي للتحرك المتوازي بين باريس والرياض والعاصمة الأميركية.
فبيروت تدرك أن مفاتيح الحل والربط لا تزال هناك، لكنها تأبى أن تكون واشنطن هي "المعبر الإلزامي" الوحيد الذي تُصاغ فيه شروط المرحلة المقبلة وفق الرؤية الإسرائيلية.
لكنّ النجاح في هذا الرهان لن يُقاس فقط بمدى صمود الهدنة أو نجاح الجولة الثانية، بل بما إذا كان لبنان سينجح في تحويل هذه المظلة الموسعة إلى "رصيد سيادي" فعلي يمنع تحويل الميدان إلى قدر سياسي محتوم.