تظهر الاعتداءات ال​إسرائيل​ية المتكررة على ​الجيش اللبناني​ اليوم جزءاً من معادلة سياسية أكثر من كونها أحداثاً عسكرية منفصلة أو أخطاء ميدانية ظرفية. فالتكرار هنا ليس تفصيلاً، بل عنصر كاشف لطبيعة الدور الذي يتم التحضير لهذه المؤسسة أن تؤدّيه: جيش يطلب منه أن يكون ركيزة الاستقرار في الجنوب، بينما يتم التخلي عنه في الوقت نفسه تحت ضغط استهداف اسرائيلي مباشر في بيئة يفترض أنه سيكون مسؤولاً عنها. هذه المفارقة لا يمكن قراءتها خارج سياق المنطق السياسي الذي يحكم التعامل مع المؤسسة العسكرية اللبنانية. فالمسألة لا تتعلق فقط بسلوك ميداني، بل بتصور أوسع لوظيفة الجيش وحدود ما يسمح له أن يكونه.

في هذا المنطق، يتم تقديم الجيش على انه الحل العملي الوحيد لإدارة الجنوب وضبط الحدود ومنع الانفلات الأمني. لكن هذا "الحل" يخضع منذ البداية لسقف واضح: جيش قادر على إدارة ​الأمن الداخلي​، لا جيش قادر على إنتاج توازن قوة أو امتلاك قدرة ردع مستقلة، وهنا تتكشف الإشكالية الأساسية: المطلوب منه أن يملأ فراغات سيادية حساسة، لكن من دون منحه الصلاحياتالكاملة التي تجعل تحقيق هذا الهدف عملياً وفعلياً لا شكليًا. يطالب بالانتشار، لكنه يتحرك داخل بيئة يمكن استهدافه فيها، ويطالب بأنيكون الضامن، لكنه لا يعامل كجهة محصنة بالحد الأدنى الذي يسمح له بلعب هذا الدور.

تقصد اسرائيل استهداف الجيش في اكثر من منطقة ومناسبة، ليس مجرد وقائع معزولة، بل منطق ينسجم مع منطق أوسع يعيد تعريف وظيفة الجيش نفسه، ويرى أن ​الاستقرار في لبنان​ لا يحتاج إلى جيش قوي بالمعنى السيادي الكامل، بل مضبوط الدور، محدود السقف، ومحصور الوظيفة ضمن الداخل. هذا المنطق السياسي، سواء أكان معلناً أو غير معلن، ينتج معادلة دقيقة: دعم للمؤسسة العسكرية من جهة، وتحديد صارم لمجال تطورها من جهة أخرى. دعم يكفي لجعلها قادرة على العمل، لكنه لا يكفي لتحويلها إلى قوة قادرة على فرض توازن مستقل في بيئتها الإقليميّة. وهنا يظهر التناقض بوضوح، وكأن المطلوب ليس بناء دولة قادرة على إدارة أمنها، بل إدارة أمن دولة ضمن سقف مرسوم سلفاً، فعندما تتعرض هذه المؤسسة لضربات اسرائيلية مرة تلو الاخرى، فإن ذلك لا يؤثر فقط على قدراتها الميدانية، بل ينعكس أيضاً على صورتها بوصفها الجهة القادرة على فرض الاستقرار.

الأخطر في هذا المنطق أنه يفصل بين المسؤولية والقدرة: يوضعالجيش في قفص الاتهام من قبل اسرائيل بالتساهل مع ​حزب الله​،ومن قبل الحزب بالتساهل مع اسرائيل، بينما يُفرض "حظر" على تجهيزه عسكرياً بحيث لا يمكنه القيام بأي دور فعليّ الا وفق ما هو مرسوم له. ان ​القوة العسكرية​ تحتاج ايضاً الى تعريف لموقع الدولة نفسها داخل بيئتها الإقليمية، وكلما ضاق تعريف هذا الدور، تحولت هذه المؤسسة إلى جهاز إدارة أمن أكثر منها تعبيراً عن سيادة مكتملة.

من هنا، لا يعود النقاش حول الجيش نقاشاً تقنياً أو عسكرياً، بل سياسي بامتياز حول طبيعة النموذج الذي يجب ان يكون لبنان عليه: دولة يتم فيها منح المؤسسات أدوات سيادتها الكاملة، أم نموذج يعاد فيه تعريف السيادة بحيث تصبح وظيفة إدارية للأمن أكثر منها قدرة على إنتاج القوة؟ وهل سيوافق العالم على رؤية اسرائيل للدولة اللبنانية بجيشها "المحدود التسلح والصلاحيات"، ام سنرى محاولة اكبر قليلاً لابراز حيثية حقيقية للجيش قادرة على طمأنة الداخل من اطماع الخارج، وعلى طمأنة الخارج مما يعتبرونه "خطورة الداخل"؟