في المرحلة الراهنة، يشتد الانقسام الداخلي حول ما يجب القيام به، لمواجهة التحديات المرتبطة باستمرار الاعتداءات ال​إسرائيل​ية، بالرغم من الهدنة المعلنة منذ نحو أسبوع، حيث يبرز الصراع بين الموقف الرسمي، الملتزم بالمسار التفاوضي المباشر مع تل أبيب، في مقابل موقف "​حزب الله​" الرافض، من منطلق التداعيات التي من الممكن أن تترتب على ذلك.

ضمن هذا السياق، يأتي موقف رئيس المجلس النيابي ​نبيه بري​، الذي قرر أن يكون في الموقع المعارض لمسار المفاوضات المباشرة، لا بل تبرز مؤشرات على دور له في تشكيل تجمع سياسي معارض، من دون أن يعني ذلك الرغبة في الذهاب إلى صدام مع كل من رئيسي الجمهورية ​جوزاف عون​ ورئيس الحكومة ​نواف سلام​، حيث تبقى الأولوية لديه، على المستوى الداخلي، الحفاظ على الاستقرار المحلي.

في المقابل، تشير مصادر متابعة، عبر "النشرة"، إلى أهمية تموضع الرئيس السابق للحزب "التقدمي الاشتراكي" ​وليد جنبلاط​، وتلفت إلى أنه عاد، من حيث المبدأ، إلى لعب دور "بيضة القبّان"، مبتعداً عن الانقسام العامودي بين الخيارين، خصوصاً أنه كان قد لمس، في الماضي، النتائج التي من الممكن أن يفرزها ذلك، ما يدفعه إلى البحث عن الإطار الأفضل، الذي ينطلق من الثوابت التي يتمسك بها.

بالنسبة إلى الخطوط العريضة لموقف جنبلاط، تؤكّد المصادر نفسها إلى أنه لا يعارض بشكل كامل المفاوضات المباشرة، إلا أنه يعتبر أن اللقاءات تكون في خاتمة التفاوض، بالتزامن مع تشديده على أولويات: تحرير الأرض، حماية السيادة، ترسيم الحدود، عودة النازحين، إعادة الإعمار، أما الأهم فهو تحديده أن أقصى ما يمكن أن يقدمه ​لبنان​، هو العودة إلى ​اتفاقية الهدنة 1949​ مع إدخال تطوير عليها، بما يواكب المرحلة الراهنة.

في الأيام الماضية، برزت الانتقادات التي تعرض لها الرئيس السابق لـ"الاشتراكي"، من قبل بعض الجهات المعارضة لـ"حزب الله"، التي تعتبر أن الأوضاع الحالية لم تعد تحتمل المواقف الرمادية، وبالتالي عليه الخروج من هذا الموقع، كي يكون في صدارة القوة التي تتبنى الموقف الحاسم في التعامل مع الحزب، على قاعدة أن ما يقوم به يساعد الأخير على التمسك أكثر بمواقفه، من منطلق أن هناك من يقف، بطريقة أو بأخرى، إلى جانبه، أو على الأقل يتفهم مواقفه.

هنا، تذهب المصادر المتابعة إلى التشديد على أن موقف جنبلاط لا ينطلق فقط من اعتبارات داخلية، تحديداً الحديث المتكرر عن العلاقة التاريخية التي تجمعه مع رئيس المجلس النيابي، بل هو يرتبط بشكل رئيسي بالإطار القائم على المستوى الإقليمي، حيث يرى ضرورة عدم الخروج عن الموقف العربي بالنسبة إلى العلاقة مع إسرائيل، خصوصاً أن هذا قد يكون له انعكاسات كبرى على الواقع المحلي، من دون تجاهل ما قد يمثله لناحية انعدام التوازن في أي مفاوضات مع تل أبيب.

بالإضافة إلى ذلك، ترى المصادر نفسها ضرورة عدم تجاهل الواقع الخاص بالطائفة الدرزية، ليس فقط على المستوى اللبناني بل أيضاً على المستوى الإقليمي، بعد أن كانت برزت، في السنوات الماضية، زعامات أخرى تعارض التوجهات التي يذهب إليها، مذكرة بالواقع الذي كان قائماً خلال الأحداث التي شهدتها ​محافظة السويداء​ السورية، التي واجه خلالها معارضة واسعة لخياراته.

في المحصّلة، تشدد هذه المصادر على أن هذا التحدي يكبر، عند النظر إلى ما تطرحه تل أبيب من خرائط للمنطقة العازلة الممتدة على طول الحدود اللبنانيّة السوريّة، وهو ما يدرك الجميع أن تثبيته كأمر واقع، لا ينفصل عن السعي إلى الدفع نحو صدام داخلي في لبنان، يمثل هاجساً أساسياً في تحركات جنبلاط، وبالتالي لا يمكن توقع موقفاً مختلفاً منه في ظل المعطيات المحلية والإقليمية الراهنة.