بعد التوازنات التي كانت قد فرضتها الحرب الماضية، في أيلول من العام 2024، لم تتأخر ​السعودية​ في العودة إلى قلب المعادلة اللبنانية، خصوصاً أنها جاءت على وقع تحول كبير في المنطقة، تمثل في سقوط النظام السابق في سوريا، الذي وجدت فيه فرصة للدخول إلى ملفات المشرق العربي من جديد، من منطلق استغلال تراجع النفوذ ال​إيران​ي في المنطقة.

في ذلك الوقت، كان العنوان الأبرز رعاية الرياض السلطة الجديدة في لبنان، بعد انتخاب رئيس الجمهورية العماد ​جوزاف عون​ وتكليف ​نواف سلام​ تشكيل الحكومة، أما اليوم فهي لم تنتظر نهاية الحرب بشكل كامل، بل قررت أن تستبق ذلك من خلال الدور الذي تقوم به، والذي ينطلق من الحفاظ على التوازن الداخلي، بناء على أولوية الحفاظ على الاستقرار المحلي.

في هذا السياق، تشير مصادر متابعة، عبر "النشرة"، إلى أن السعودية تدرك جيداً خطورة الوضع القائم في البلاد، من منطلق التحولات التي تشهدها الساحة الإقليمية، حيث تندفع إسرائيل، بدعم من الولايات المتحدة، لتكريس سيطرتها على المنطقة برمتها، الأمر الذي كان يتطلب منها تحركاً سريعاً، بسبب التداعيات التي قد تترتب على ذلك.

هنا، تلفت المصادر نفسها إلى أن نقطة التحول الرئيسية كانت بعد أن لمست تهديداً للتوازن الداخلي، بغض النظر عن حقيقته وحجمه، نتيجة الانقسام حول خيار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، بينما هي تدرك أن الجانب اللبناني الرسمي، في ظل التوازنات القائمة في البلاد، لا يستطيع أن يذهب إلى خطوات سريعة، لا تأخذ بعين الاعتبار تلك التوازنات، في حين أن تداعيات الصدام المتوقع تصب في صالح ​تل أبيب​.

بناء على ذلك، توضح هذه المصادر أنه كان من الطبيعي أن تبادر الرياض إلى التدخل عبر مجموعة من الخطوات، التي تبدأ من تثبيت المعادلة الداخلية، ثم تنطلق للبحث عن المسارات التي تحفظ لها الدور المقرر، بعيداً عن السيطرة الإسرائيلية الكاملة على الملف اللبناني، لا سيما بعد أن وجدت أن الإدارة الأميركية برئاسة ​دونالد ترامب​ تريد الاستفراد بهذا الملف، بالطريقة التي تحقق مصالح تل أبيب بالدرجة الأولى.

في هذا المجال، كان من اللافت أن بعض الأصوات المؤيدة لـ"​حزب الله​" أعلنت صراحة، عند الوصول إلى اتفاق الهدنة، عن دور سعودي، إلى جانب كل من إيران و​باكستان​ و​تركيا​، في وقت كانت الرياض قد بادرت إلى تكثيف الاتصالات مع رئيس المجلس النيابي ​نبيه بري​، الذي يعتبر صلة الاتصال مع الحزب، بسبب إدراكها الدور الذي من الممكن أن يلعبه في أي حل، الأمر الذي تعترف به إسرائيل نفسها.

في هذا الإطار، تشدد المصادر المتابعة إلى أن لبنان، في ظل غياب التوازن مع تل ابيب، يحتاج إلى المظلة السعودية، القادرة على التأثير على الموقف الأميركي، وبالتالي حضورها في المرحلة الراهنة يعزز الموقف التفاوضي، بالشكل الذي يحول دون الاضطرار إلى تقديم تنازلات كبرى، قد يكون لها تداعيات خطيرة على الواقع الداخلي، بسبب الانقسام القائم حول كيفية التعامل مع سلاح "حزب الله" بشكل أساسي.

بالنسبة إلى المصادر نفسها، هذا لا يعني أن ليس هناك من مصلحة سعودية مباشرة في هذا التوجه، فالرياض نفسها تعتبر أن من الأفضل ألا يذهب لبنان إلى خطوات كبرى بعيداً عن الموقف العربي الجامع، الذي ينطلق من معادلة عدم الدخول في مفاوضات سلام شاملة، قبل الوصول إلى حل للملف الفلسطيني، التي بدورها كانت قد شددت، في مناسبة عدة، على أن أي تطبيع قد تذهب إليه مع تل أبيب لا يمكن أن يتم قبل معالجته، في وقت تكبر الضغوط، في ظل الحرب الراهنة، على بيروت.

في المحصلة، تشدّد هذه المصادر على أن ما تقدم لا يعني تراجع الجانب السعودي عن مواقفه السابقة، تحديداً من سلاح "حزب الله"، بل المطروح المعالجة الهادئة، التي تعطي الاستقرار الداخلي الأولويّة، بالإضافة إلى عدم الانجرار نحو تموضوعات خطيرة، من خلال مجموعة من المقترحات التي كانت قد قدمت قبل الحرب الحالية، أبرزها السلة الشاملة التي تتضمن معالجة ملف السلاح وتطبيق الطائف، والتي بحثت على نطاق ضيق خلال فترة الخلاف حول التمديد للمجلس النيابي ومدته.