اعتبر المفتي الجعفري الممتاز الشّيخ ​أحمد قبلان​، أنّ "لا خطورة على ​لبنان​ أكبر من الانقسام الوطني، ولا مصلحة للسّلطة الحاليّة أهمّ من التوافق الدّاخلي على الخطوات الكبيرة. ووفقًا للمواثيق التأسيسيّة، لا يمكن أخذ أي خطوة وطنيّة كبيرة دون توافق تأسيسي"، مشيرًا إلى أنّه "لأنّ البكاء على لبنان وعائلته الوطنيّة وليس على العسل والجزر، لذا حذّرنا بشدّة من مفاوضات ​واشنطن​، وقلنا إنّها بمثابة قفزة حبل بلا حبل وتنازل سيادي فرط صوتي، والحلّ بتأمين جبهة تضامن تأسيسي تعطي لبنان وزنه الإقليمي والدّولي، وهذا ما لفتت له ​تل أبيب​، الّتي وَصفت قدرة التزام السّلطة اللّبنانيّة التفاوضيّة دون تنسيق مع المقاومة بأنّها صفر، وعينها بذلك على إشعال فتنة وطنيّة وزيادة التمزيق الداخلي".

وشدّد، في رسالة للقوى السّياسيّة اللّبنانيّة، على أنّ "السّلطة الحاليّة مطالَبة بوعي محاذير اللّحظة التاريخيّة، ورئيس مجلس النّواب ​نبيه بري​ بهذا المجال ناصح أمين، وهذا عين المطلوب من القوى السّياسيّة كافّة"، مركّزًا على أنّ "​حزب الله​ ليس عدوًّا لرئيس الجمهوريّة ​جوزاف عون​ أو رئيس الحكومة ​نواف سلام​، وما تقوم به المقاومة يصبّ بصميم المفهوم السّيادي للبنان، ويضمن الشّراكة التاريخيّة بين الإسلام والمسيحيّة".

ولفت قبلان إلى أنّ "قصة النّصر المطلق الّتي روّج لها رئيس الوزراء الإسرائيلي ​بنيامين نتانياهو​، انتهت بهزيمة شنعاء على أطراف بلدة كفرتبنيت وعلي الطاهر، ولدرجة أنّ الجيش اللبناني لم يكن بحاجة للانسحاب الّذي لا يليق به من ثكنة المعبر في كفرتبنيت، لأنّ المقاومة هناك ألحقت أشنع هزيمة بالجيش الصهيوني الغازي".

وأكّد أنّ "المطلوب الاستفادة من قوّة المقاومة لا مخاصمتها، والسّلطة الحاليّة تعرف أنّها بلا وفاق مع المقاومة والثّنائي الوطني تخسر 90 بالمئة من وزنها ونفوذها بالأوراق الإقليميّة. ومع مفاوضات ​باكستان​ وموقف السّلطة اللّبنانيّة من طهران، بدا واضحًا أنّ السّلطة اللّبنانيّة ليست جزءًا من الأحداث ولا يمكنها التأثير بها، وهذا خطأ وطني فادح، وهذا ما يجب أن يعيه العقل اللّبناني والقوى السّياسيّة"، مبيّنًا أنّ "ما يريده الثّنائي الوطني للسّلطة الحاليّة، ألّا تسقط بلعبة روليت أميركيّة صهيونيّة قاتلة، ومفاوضات واشنطن كذلك".

كما ذكر أنّ "برّي منذ اللّحظة الأولى كان صريحًا بأنّ مصلحة لبنان بهذا النّوع من المفاوضات صفر، والحل بشراكة تنسيقيّة قويّة بين السّلطة والجيش والمقاومة، وتأمين تضامن سياسي وطني لتأسيس حضور لبناني وازن بالأوراق الإقليميّة والدّوليّة"، مشيرًا إلى أنّ "اليوم، واقع الأرض وقدرات الصمود الأسطوري للمقاومة ونتائج حرب المنطقة تفترض ذلك، لدرجة أنّ الصحافة الصهيونيّة وأمام الصمود الصادم للمقاومة، روّجت للفكرة التاريخيّة الّتي تقول إنّ القتال العنيد والاستثنائي للمقاومة يحيي الرّواية الّتي تقول إنّ المقاومة تقاتل من أجل سيادة لبنان".

وأضاف قبلان: "لأنّ السّلطة الحاليّة تريد سيادة لبنان، فهذا يفترض تأكيد الشّراكة القويّة بين السّلطة والمقاومة، وليس البراءة منها وتمزيق الدّاخل اللّبناني، وهذا ما يجب أن تدفع نحوه القوى السّياسيّة اللّبنانيّة"، مشدّدًا على أنّه "لأنّ القضيّة الآن قضيّة سيادة وخيارات كبيرة تتعلّق بالجبهة الجنوبيّة وطبيعة الهويّة الوطنيّة، فمحسوم أنّ السّلطة الحاليّة بلا وفاق قوي مع الثّنائي المقاوم تبدو مجرّد بنية سياسيّة مفكّكة وبلا وزن، وهذه حقيقة جذريّة، لدرجة أنّ تل أبيب وواشنطن أقرّت بنتيجة هذه الحرب أنّ إخضاع المقاومة و​إيران​ أمر يصعب تحقيقه، وهذا يصبّ بمصلحة لبنان ويدفع نحو شراكة وطنيّة قويّة بين السّلطة والمقاومة".

وركّز على أنّ "اليوم، مراكز واشنطن وتل أبيب و​الشرق الأوسط​ تجمع على أنّ توقيع الاتفاق بين أميركا وإيران هو أكبر حدث سياسي بالمنطقة، وتؤكّد الآثار المرتقبة الّتي ستطال بنية الشرق الأوسط على أثره، وهنا تكمن فكرة التشريك مع المنطقة، بخلاف مقولة حرب الآخرين ومنع التمثيل أو التشريك الإقليمي"، ورأى أنّ "الضّرورة الوطنية تكمن بفهم هذه اللّحظة التاريخيّة، وكفانا سقوطًا بلعبة واشنطن الّتي تريد تمزيق لبنان وتفكيك قواه السّياسيّة، وضربها ببعضها البعض".

إلى ذلك، اعتبر أنّ "السّلطة الحاليّة ستظلّ سلطة ظلّ، إلّا إذا حازت صفة الوحدة الوطنيّة والتضامن السّياسي الدّاخلي. ولا خطر على هذه الوحدة أكبر من الإعلام المتصهين الّذي يجيد صناعة الشّياطين والملائكة، ويعمل على حرق بيئة الوحدة الوطنيّة"، لافتًا إلى أنّه "لأنّ حماية لبنان ضرورة سياديّة، يجب أن نسبق لعبة ابتلاع الدّول بخطوة، والخلاف ليس على بطل الجماهير بل على وجود لبنان وسيادته. وأي تلاق قوي بين السّلطة الحاليّة والثّنائي المقاوم، يضع لبنان بمركز النّفوذ القوي".

وأفاد قبلان بـ"أنّني لا أعرف إذا ما كان بمقدور السّلطة الحاليّة تغليب اتفاقها مع الثّنائي الوطني دون أزمة مع واشنطن، والرّئيس عون يعرف أنّ واقع لبنان والمنطقة أكبر من فكرة احتلال كيلومتر إضافي، والمعركة بهذا المجال استراتيجيّة جدًّا، لأنّها معركة تدمير قدرات إسرائيل الكبرى وإثبات عجزها على الأرض، كما يجري بالجبهة الجنوبيّة".

وأوضح أنّ "الحرب هنا حرب لبنان والمنطقة، والكل معني بها، بما في ذلك السعودية وإيران وتركيا ومصر وسوريا والعراق وباكستان وغيرها، والمنطقة بتحوّلاتها الكبيرة على بُعد خطوة. ومع توقيع إطار الإتفاق بين أميركا وإيران، سنكون أمام لحظة شرق أوسط وبيئة مسارات جديدة، ولا بديل عن لبنان إلّا لبنان، وما نريده رئيس يحكم وسلطة وطنيّة تتعامل مع المكوّنات اللّبنانيّة التأسيسيّة من موقع سلطة الشّعب للشّعب وليس ضدّه".

وأردف: "بهذا المجال، الجنوب اللّبناني ما زال ينتظر رفع اسمه عن سجلّات السّلطة الّتي وفّتهُ منذ العام 1948، واللّحظة للتضامن والتلاقي وليس للقطيعة والخنق وإحراق البلد، خاصةً أنّ "حرب تغيير الواقع الاستراتيجي للمنطقة لم تغيّر الواقع" باعتراف تل أيبب، ودولة الحق والقانون تبدأ بالجنوب ومشاريع إعماره وإغاثته".

وشدّد قبلان على أنّ "السّلطة الحاليّة مطالَبة بخطوة وطنيّة داخليّة تليق بالميثاق التأسيسي للبنان، وواضح جدًّا أنّ هذه الحرب أعادت ترتيب أوراق المنطقة ومفاتيح هياكلها ومسارات وجهاتها الجديدة، ومنها بعض دول الخليج الّتي طرقت أبواب طهران علنًا بخلفيّة التأسيس الجديد، وهو ما يجب أن تلتفت له السّلطة اللّبنانيّة بخلفيّة منع عزل لبنان عن التطوّرات الكبيرة بالمنطقة".

وختم: "الثّابت الاستراتيجي اليوم أنّ إيران خرجت من الحرب أقوى، وخرجت أميركا وإسرائيل أضعف، ووسطاء الصفقات العقاريّة عبء على لبنان ولا نريدهم، ولا شيء مطلق بالشّرق الأوسط".