لم تكن محاولة الاغتيال التي تعرض لها الرئيس الاميركي دونالد ترامب ليل 25/6/2026 مفاجئة بالمعنى الحقيقي للكلمة، الا من ناحية التوقيت. فالحديث عن محاولات اغتيال قد يتعرض لها ترامب كانت تتكاثر خلال النصف الثاني من السنة الاولى من ولايته الرئاسية الثانية. ولكن، الحقيقة تقال، ان المفاجأة اتت من كون الحادثة وقعت في الولايات المتحدة الاميركية ومع رأس النظام هناك، فيما كانت الترجيحات تصب في ان يكون رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو هو الذي سيتعرض لمثل هذه المحاولات اولاً، وفي عقر داره.
اعتبر البعض ان ما قام به كول توماس ألين لا يعدّ محاولة اغتيال لان ترامب لم يكن في مواجهة الرصاص بشكل مباشر، وبالتالي لم يكن هناك من خطر آنيّ على حياته، واطلاق النار حصل في قاعة مجاورة، لكن النية كانت موجودة، لذلك تكتسب عبارة "محاولة اغتيال فاشلة" مفهومها الكامل. وعلى الرغم من أن التحقيقات الأولية أشارت إلى أن كول تصرّف بشكل فردي وتمت السيطرة عليه بسرعة من قبل جهاز الخدمة السرية، اشارت التحليلات والتعليقات الى ان الحادثة لم تكن معزولة عن سياق سياسي مشحون أصلاً. فمع اقتراب الانتخابات النصفية، واشتداد التنافس الحزبي، برزت تساؤلات حول ما إذا كان مثل هذا الحدث قد يغيّر مزاج الناخبين، ويخفف الثقل عن كاهل ترامب والجمهوريين. من الناحية التاريخية، تميل مثل هذه الوقائع إلى خلق موجة تعاطف موقتة مع الشخصية المستهدفة، الا أن هذا التأثير غالباً ما يكون قصير الأمد، اذ سرعان ما يعود الناخبون إلى القضايا الجوهرية مثل الاقتصاد والهجرة والأمن الداخلي. في حالة ترامب تحديداً، فإن شخصيته السياسية القائمة على المواجهة تجعل من المرجح أن يوظّف الحدث في تعزيز خطابه حول الأمن والفوضى، مع محاولة الجمع بين التعبئة الشعبية وحسابات الانتخابات.
غير أن النقاش لم يتوقف عند حدود الداخل الأميركي، فقد امتد سريعاً إلى مقارنة مع أنظمة سياسية أخرى تعيش توترات مشابهة، خصوصاً في الشرق الاوسط، وبالتحديد في تل ابيب التي عاشت عام 1995 سيناريو اغتيال رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق إسحق رابين، والذي شكّل نقطة تحول في التاريخ السياسي الإسرائيلي.
المقارنة اليوم بين الحالة الأميركية والحالة الإسرائيلية تكشف أوجه تشابه على مستوى الاستقطاب، لكنها في الوقت نفسه تبرز اختلافاً جوهرياً. تعيش تل ابيب، كما في زمن رابين، انقساماً حاداً حول قضايا الأمن والحرب والمستقبل، في ظل احتجاجات واسعة ضد السياسات الحكومية التي يقودها نتنياهو والتي توقفت بسبب الحروب. غير أن هذا الاستقطاب، رغم حدّته، لا يعني بالضرورة أن مسار الأحداث يتجه نحو تكرار سيناريو الاغتيال السياسي، خصوصاً في ظل تشديد الإجراءات الأمنية وتطور منظومات الحماية حول القادة السياسيين. الفكرة الابرز والاخطر هي قيام "ذئب منفرد" بخطوة مفاجئة، بمعنى أن يكون التهديد ناتجاً عن فرد متطرف يتأثر بخطاب عام من دون وجود تنظيم مباشر.
يمكن النظر إلى حادثة واشنطن باعتبارها أكثر من مجرد واقعة أمنية عابرة، مرتبطة بشكل وثيق بالتحديات وتداعيات الحروب التي تكثر في اكثر من قارة، والتي تزيد الانقسام داخل المجتمعات. لذلك، قد لا يكون مفاجئاً ان نسمع عن محاولة اغتيال تعرض لها نتنياهو عاجلاً ام آجلاً، حتى لو كانت فاشلة، ولكن يجب الوقوف عند نتائجها وتداعياتها في حال حصولها، وما اذا كان بامكانها تعجيل مسار بدأ العمل به لتغيير وجه المنطقة بأسرها وتحديد مصير ملايين الشعوب، من دون اي تأكيدات ان هذا المخطط سيحمل السلام العادل والدائم والشامل للمنطقة.