افتتحت ​جامعة الروح القدس​ – الكسليك، برعاية ال​لبنان​ية الأولى السيدة ​نعمت عون​ وحضورها، منتدى التعليم العام (GE Forum) بعنوان: “And Still We Rise: Students in Service, Education in Action”، بالتعاون مع "مدرسة المواطنية"، في حرم الجامعة في الكسليك.

وفي افتتاح المنتدى، ألقت اللبنانية الأولى كلمة استهلتها بالقول: "أنتم اليوم استيقظتم صباحًا، وأتيتم إلى الجامعة، ونلتقي هنا، وكأنّ كلّ شيء طبيعي. لكن لا شيء طبيعي. نحن نعيش حربًا، حربًا ليست حدثًا عابرًا، بل واقعًا يفرض نفسه على تفاصيل حياتنا اليومية. والأصعب من الحرب نفسها ليس الخطر فحسب، بل هذا التعب العميق الذي نعيشه بصمت: تعب الخوف، تعب القلق، وتعب العيش من دون أفق واضح."

وشددت على أنه "لا يمكننا أن نتحدّث معًا اليوم من دون أن نواجه الحقيقة كما هي: هذه الحرب لا تُختصر بجبهة، بل تمتدّ إلى بيوت جميع اللبنانيين، إلى يومياتهم، وإلى شعورهم الدائم بعدم الأمان. قد لا تكون الحرب في مكان واحد، لكن وجعها واحد. وفي قلب هذا المشهد، هناك من يدفع الثمن الأكبر: في أماكن لم تعد فيها الحياة كما كانت، حيث لم يعد الدمار احتمالًا، بل واقعًا. جنوبنا… جنوبنا الغالي."

وأكدت أنه "نحن نعلم أن لبنان اليوم ليس بخير، ونحن لسنا بخير. ومع ذلك، ثمّة صورة أخرى لا يمكن تجاهلها: لبنانيون يقفون إلى جانب بعضهم البعض، يفتحون بيوتهم، ويستقبلون بعضهم، رافضين أن يتركوا أيّ شخص وحيدًا. هذا ليس تفصيلًا، هذا ما يُبقي لبنان صامدًا حين يهتزّ كلّ شيء من حوله. إلى أهلنا في الجنوب، وإلى كلّ من يعيش هذه اللحظات الصعبة في أيّ منطقة: أنتم لستم وحدكم. هذا الألم ليس بعيدًا عنّا، وهذا الخوف نعرفه".

ورأت أن "المشكلة اليوم ليست فقط حربًا، ولا أزمة اقتصادية فحسب، بل هي أعمق من ذلك: الثقة مفقودة. مفقودة في الدولة، ومفقودة في المستقبل، ومفقودة في فكرة أنّ هناك وطنًا واحدًا يجمعنا. نعم، نحن مختلفون، لدينا قناعات متباينة، ورؤى متناقضة أحيانًا لهذا البلد، وهذا واقع لا يمكن تجاهله. لكن في المقابل، لا يمكن لأيّ بلد أن يستمرّ من دون حدّ أدنى من الاتفاق: دولة واحدة، قرار واحد، ومرجعية واحدة."

ولفتت إلى أننا "هنا نتحدّث عن المواطنية، ولكن بطريقة مختلفة: المواطنية ليست فكرة نناقشها، ولا درسًا نحفظه، المواطنية قرار. قرار ألا نكون متفرّجين، قرار ألا نعيش على الهامش، قرار أن نكون جزءًا من هذا البلد فعلًا. أن تكون مواطنًا، يعني أن تسأل: ما دوري؟ ما مسؤوليّتي؟ ليس غدًا… بل اليوم، في جامعتكم، في مدرستكم، في مجتمعكم، وفي كلّ تفصيل من حياتكم".

وأوضحت أن "المواطنية لا تبدأ من الدولة فقط، بل تبدأ منّا: من التزامنا، من احترامنا للآخر، من رفضنا للفوضى، ومن قدرتنا على الاختلاف من دون أن نكسر بعضنا. وفي زمن الحرب، لم يعد هذا خيارًا، بل أصبح مسؤوليّة، لأنّ الدول في الأزمات إمّا أن تقوّيها شعوبها، وإمّا أن تتركها تنهار".

وأشارت إلى أنه "لهذا السبب، نحن اليوم لا نتحدّث عن فكرة، بل عن مسار يبدأ من هنا: من الجامعات، من المدارس، ومنكم أنتم. هدفنا واضح: أن نبني جيلًا جديدًا من المواطنين، ليس فقط ناجحين، بل مسؤولين، ليس فقط متعلّمين، بل فاعلين. جيل يشارك، يبادر، ويبني".

وشدّدت على "أن هذا ليس مشروعًا عابرًا، بل دعوة. دعوة لكم لكي تكونوا جزءًا من هذا التغيير. الدولة ليست خيارًا، بل ضرورة. وقد لا تكون هناك ثقة، لكن هناك مسؤوليّة في أن نعطي فرصة، ليس ثقة عمياء، بل قرارًا واعيًا لوقف الانهيار والبدء بإعادة البناء."

وأضافت: "أعلم أنّ كثيرين منكم يرغبون في الرحيل، وأتفهّم ذلك. حين يغيب الأمان، ويغيب الأفق، يصبح التفكير في الرحيل أمرًا طبيعيًا. لكن الخطر الحقيقي ليس في مغادرة المكان، بل في فقدان الانتماء. لأنّ أخطر ما يمكن أن نخسره ليس من يغادر، بل من يتخلّى عن إيمانه بهذا البلد".

وأكدت أن "كلّ واحد منّا لديه مسؤوليّة: أن يلتزم بالقانون، أن يرفض تبرير الخطأ، ألا يكون جزءًا من الفوضى، أن يحترم الآخرين، وأن يربّي جيلًا يؤمن بوطنه. إذا أردنا دولة قويّة، علينا أن نكون مجتمعًا مسؤولًا ومتماسكًا. لبنان صمد كثيرًا، لكن الصمود وحده لا يكفي. لا يكفي أن نتحمّل، بل علينا أن نبني وطنًا معًا، تحت سقف الدولة، وتحت علم واحد، علم لبنان".

وكان رئيس الجامعة ​الأب البروفسور جوزف مكرزل​ قد ألقى كلمة رحّب فيها بالسيدة الأولى، مشيدًا بمسيرتها خلال السنة الأولى من عهدها، حيث بدت "البوصلة واضحة" في مقاربتها لملفّات المرأة والمجتمع.

ولفت إلى أبرز المبادرات التي قادتها السيدة الأولى كإطلاق مبادرة مدرسة المواطنية، رئاستها لهيئة شؤون المرأة، الدفع نحو إقرار قانون الكوتا النسائية، ومواجهة ​العنف الرقمي​ ضد النساء، فضلًا عن دفاعها عن ​حقوق المرأة​ في المحافل الدولية، ولا سيما في الأمم المتحدة.

وأكد "أن هذه الجهود تصبّ في هدف أساسي يتمثّل في بناء الإنسان كمدخل لبناء الوطن"، مشددًا على "أن المواطنية تنطلق من البيت والمدرسة، وأنّ المرأة، بصفتها أمًا وزوجة، تشكّل الركيزة الأولى في هذا البناء".

من جهتها، أشارت نائبة الرئيس للشؤون الأكاديمية ​ريما مطر​ إلى أن التعليم يلعب دورًا محوريًا في تشكيل الشخصية وتعزيز القيم، وليس فقط في نقل المعرفة، مشيرة إلى أن جامعة الروح القدس – الكسليك تأسست لخدمة المجتمع وترسيخ القيم المتجذرة فيه، انطلاقًا من رسالة ​الرهبانية اللبنانية المارونية​.

ولفتت إلى "أن التعليم العام في الجامعة يشكّل حجر الأساس في إعداد الطلاب، إذ يركز على تنمية التفكير النقدي، والمسؤولية، والأخلاق، بهدف إعداد مواطنين فاعلين إلى جانب مهنيين.

أما مديرة مكتب التعليم العام في الجامعة سمر الحاج فأعلنت عن إطلاق برنامج "100 ساعة خدمة مجتمعية" ابتداءً من خريف العام الأكاديمي 2026-2027، في خطوة تهدف إلى إدماج العمل التطوعي ضمن المسار الجامعي، وتعزيز ارتباط الطلاب بمجتمعهم، مشيرة إلى "أن هذا البرنامج هو جزء من منظومة أوسع تتمثل في "جواز" وهو وثيقة تُرفق بملحق الشهادة وتوثّق التزاماتكم المدنيّة وخبراتكم العمليّة، لتشكّل علامة مميّزة لخريجي جامعة الروح القدس – الكسليك. وفي هذا الإطار، نفخر بإطلاق مقررات جديدة في التعليم العام، صُممت خصيصًا لتلبية أهداف البرنامج وخدمة طلابنا بشكل أفضل، ضمن مسار مستمر من التطوير والتحسين".