طوال الأشهر الماضية، كان لبنان أمام قراءتين منفصلتين لمسار الأوضاع، تحديداً حول كيفية التعامل مع الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار السابق، الذي كان من المفترض أن ينهي عدوان أيلول 2024، إلا أن الالتزام به لم يأت إلا من الجانب اللبناني، ما مهد الطريق نحو عودة الحرب من جديد، ربطاً بتلك التي شنتها واشنطن وتل أبيب على طهران.
اليوم، في ظل الهدنة الممددة 3 أسابيع بقرار من الولايات المتحدة، لم يعد من الممكن الحديث عن قراءتين مختلفتين لمسار الأمور، بل عن انفصال تام يهدد الإستقرار المحلي، بعد أن ذهب كل فريق إلى رفع سقف مواقفه، في الأيام الماضية، إلى حدود يصعب معها التراجع إلى الخلف، في لحظة هي الأخطر بتاريخ لبنان في مرحلة ما بعد اتفاق الطائف.
في هذا السياق، قد يكون من المنطقي التشديد على أن الحفاظ على الاستقرار الداخلي يجب أن يبقى هو الأولوية، على اعتبار أن كل ما هو دون ذلك من الممكن العودة إلى معالجته في المستقبل، لكن المشكلة مع وجود من لا يتردد بالحديث عن ذلك انه لم يعد هو الأولوية بالنسبة إليه، بل هناك أموراً أكثر أهمية من وجهة نظره.
من حيث المبدأ، أخطر ما يواجه لبنان، في المرحلة الحالية، هو غياب الجهة القادرة على الجمع، سواء كانت محلية أو خارجية، ما يحتم البحث عن مخارج مختلفة عما كان سائدا في المراحل الماضية، لتفادي الدخول في المجهول المعلومة نتائجه مسبقاً من قبل الجميع.
بينما قد تكون المفارقة الكبرى أن هناك شبه إجماع على أن إسرائيل هي المستفيد الأول من أي صدام داخلي قد يحصل في لبنان، إلا أنه في المقابل ينجر الجميع إلى هذا الصدام، الذي تسعى تل أبيب إلى تعميقه بشكل أكبر، خصوصاً أنه يجنب حكومتها الأسئلة الكبرى التي تُطرح عليها، تحديداً بالنسبة إلى الواقع في المستوطنات الشمالية، حيث الانتقادات المتزايدة بسبب النتيجة الحالية للحرب.
ما تقدم، يقود إلى معادلة واضحة تضع الجميع أمام مسؤولياتهم، للبحث عن المخارج المناسبة، التي كان من الممكن أن تكون عبر الدعوة إلى انتخابات نيابية مبكرة، فيما لو كانت ظروف البلد تسمح في ذلك، فجميع من هم في موقع المسؤولية عليهم البحث عن الحلول لا تعميق الانقسامات الراهنة، في ظل التداعيات التي قد تترتب على هذا المسار.
في هذا الإطار، من الطبيعي التشديد على الحل لا يمكن أن يكون من خلال العودة إلى طروحات الدعوة إلى حوار وطني جامع، لا سيما أن التجارب الماضية أثبت عدم جدوى ذلك، كما أن عامل الوقت لا يساعد بالدخول في جدلات قد تطول، بل أن الآلية المطلوبة هي تلك التي تساهم في إنتاج قرارات سريعة. وهي يجب أن تُبنى على قراءة واقعية تقوم بها الجهات المعنية بالدرجة الأولى، أي السلطة و"حزب الله"، حول المسار الأفضل، بعيداً عن لغة التخوين المتبادلة، حيث يبقى الأساس البحث عن كيفية لملمة الواقع الداخلي بأقل الخسائر.
نقطة الإنطلاق الأفضل، التي يجب أن يبحث عنها الجميع، قد تكون من تحديد ما يريده لبنان من أي مفاوضات مع إسرائيل، بغض النظر عن شكلها، حيث من الواضح أن هناك إمكانية كبيرة للاتفاق على الأمر بين الجانبين، على أن يكون ذلك مقدمة نحو البحث عن خيارات اليوم التالي لبنانياً، قبل أن يفرض ذلك على الجميع بقرار خارجي، لا سيما أن البلاد، في ظل الواقع الحالي، قد تدفع ثمن التأزيم الحاصل على المستوى الإقليمي.
















































