إذا صحّ أن المسار الأميركي ال​إيران​ي يتجه إلى "تعليق الصراع" بدل حسمه، أيّ إبقاء الحصار والضغط من دون الذهاب إلى حرب شاملة ولا إلى اتفاق، فإن ​لبنان​ يصبح تلقائياً جزءاً من هذه المنطقة الرمادية، وفي مثل هذا السيناريو، ستكون هناك محاولات خارجية لضبط الحرب والازمة بدل حلها، فهل يمكن ذلك؟

حين تختار ​الولايات المتحدة الأميركية​، سياسة الإبقاء على الضغط من دون تفجير ولا حل، فهي تكون بحسب مصادر متابعة قد حدّدت مسار الحركة ال​إسرائيل​يّة في لبنان ايضا، بما يعني استمرار الوضع الراهن لفترة طويلة.

إسرائيل في هذا الإطار لا تحتاج إلى حرب شاملة كي تحقق أهدافها، لكنها بالتأكيد لا يناسبها الواقع الحالي، بل هي تريد ان تزيد من ضغطها العسكري على الجبهات وتزيد منسوب الضغط السياسي على السلطة اللبنانية.

على الضفة المقابلة، إيران أيضاً لا تبدو في وارد الذهاب إلى مواجهة مفتوحة طالما أن شروطها الكبرى لم تنضج، لكنها في الوقت نفسه لن تقبل بتصفية حلفائها تحت الضغط، وهذا يعني أن ساحات مثل لبنان ستبقى في حالة اشتباك من دون تجاوز الخطوط الحمراء الكبرى، ولكن هذا يعني استمرار حال الحرب وتداعياتها وما ينتج عنها داخليا على المستوى السياسي، والاقتصادي.

أما على المستوى الداخلي، فإن غياب التوافق الدولي الإقليمي ينعكس مباشرة في تعطّل مسارات الحل، ففي لبنان، التسويات الكبرى تحتاج دائماً إلى مظلة خارجية، وعندما تكون هذه المظلة معلّقة، يبقى لبنان بانتظار مصير ​التوازنات الدقيقة​، لانه غير قادر على انتاج الحلول.

من هنا، سيتعثر أي مسار سياسي، سواء في ما يتعلق بالتفاوض، أو بإعادة ترتيب السلطة وتثبيتها، ويزداد خطر الانقسام الداخلي، وإمكانية تحوله لصدام ما لم يتم العمل على الحد الأدنى من التفاهمات او التوافقات.

اذا على ​القوى اللبنانية​، رغم خطابها التصعيدي، أن تدرك أن الانفجار الداخلي في ظل هذا التوازن الإقليمي سيكون مكلفاً للجميع. لذلك، مهما ارتفع منسوب التوتر السياسي والإعلامي، لا يجب أن تخرج الامور عن السيطرة بانتظار وضوح الصورة.

اذا تجمدت الحلول بالمنطقة، فإن لبنان عندها لن يتجه نحو حل، وعليه ان يبحث عن كيفية إدارة الازمة وتمريرها بأقل الخسائر الممكنة.

في النهاية، يجد لبنان نفسه رهينة لتوازنات لا يملك التأثير فيها، ففي زمن "تعليق الصراع"، لا تُحسم المعارك ولا تُبنى التسويات، بل تُدار الأزمات على إيقاع المصالح الكبرى. وإذا كان الثمن الإقليمي لهذه المرحلة هو استمرار الضغط من دون انفجار، فإن الثمن اللبناني سيكون مضاعفاً: نزيفاً اقتصادياً متواصلاً، وشللاً سياسياً مزمناً، واحتقاناً اجتماعياً متصاعداً.

لكن الرهان الأخطر يبقى على قدرة اللبنانيين على ضبط النفس الداخلي في ظل هذا الفراغ الخارجي. فالتاريخ يعلّم أن البلد حين يُترك لديناميّاته الداخلية وحدها، من دون مظلة إقليمية أو دولية، سرعان ما ينزلق نحو الهاوية. لذا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب حداً أدنى من المسؤولية الوطنية: الإبقاء على خطوط التواصل مفتوحة، وتجنّب الخطابات الإقصائية، والاستعداد لإدارة طويلة الأمد لأزمة لن تنتهي قريباً، فالبقاء في منطقة الانتظار الرمادية يتطلب حكمة لا تقل عن تلك المطلوبة في أوقات الحسم.