أشار رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل، في مقال له في صحيفة "الجمهورية"، إلى أنّه وقع قبل أيام على مقطعٍ مصوَّرٍ لسماحة الإمام المغيَّب موسى الصدر، يحذِّر فيه من اشتعال جبهة الجنوب بعد اتفاق القاهرة في سبعينات القرن الماضي، إثر انتقال المقاومة الفلسطينية إليه بموافقة الحكومة اللبنانية وبغطاء عربي، ويعترض فيه على أنّ الجنوب ومعه لبنان، يدفعون أثماناً باهظة جرّاء ذلك، مؤكداً أنّ كلام الإمام حينها لم يكن شهادة عابرة، بل هو تحذيرٌ تاريخيٌّ يتجدّد صداه اليوم.
ولفت باسيل إلى أنّ الفترة الأخيرة من حياة لبنان لا يمكن أن تمرّ من دون مراجعة شاملة لما نحن فيه، واستشراف لما يجب أن نصبح عليه.
وأكد باسيل أنّ دماء الشهداء، وآلام الجرحى، والبيوت المهدّمة عمداً، والتضحيات التي بذلها أهل الأرض، لا يجوز أن تضيع، بل يجب أن تتحوَّل إلى قوّة وطنية تُترجم في تثبيت حقوقنا الكاملة، وترسيخ أمننا وسيادتنا، معتبراً أنّ التفاوض يصبح من هنا خياراً مسؤولاً، لا من موقع الضعف، بل كمسارٍ متكاملٍ لاستثمار هذه التضحيات في معركة استعادة ما سُلب من لبنان.
وأشار باسيل إلى أنّ لبنان يقف، في لحظةٍ إقليميةٍ شديدة التعقيد، أمام مفترق حاسم: إمّا أن يدير موقعه كدولة ذات سيادة، أو يُترك وحيداً لفرض الشروط عليه، مؤكداً قبول مبدأ التفاوض مع إسرائيل كأداة لاستعادة الحقوق لا للتفريط بها، في حين أنّ شكل التفاوض يبقى شأناً تكتيكياً له شروطه وظروفه.
وشدد باسيل على أنّه يقبل التفاوض، ولكن من موقع المعتَدى عليه وغير المستسلم، وبسقف واضح يتمثّل في انسحاب كامل للجيش الإسرائيلي من كامل الأراضي اللبنانية المحتلّة ووقف جميع أشكال الاعتداءات، واستعادة السيادة التامة برّاً وبحراً وجوّاً، إلى جانب حماية الثروات الطبيعية وحق لبنان في استثمارها، وفي مقدّمها الغاز والنفط والمياه، وذلك ضمن الحدود المعترف بها دولياً، بما فيها اتفاق الترسيم البحري المُنجَز، فضلاً عن تثبيت حقّ المواطنين المهجّرين بالعودة إلى مدنهم وبلداتهم بلا قيد أو شرط، مدعومين بخطة للعودة وبقرار لإعادة إعمار ما تهدّم ومطالبة إسرائيل بالتعويضات المحقّة.
وأضاف باسيل أنّه يقبل التفاوض شرط أن يُحصر في إطار قنوات ديبلوماسية وعسكرية، ومن دون أي تنازل يمسّ السيادة، ومن دون أن يتحوَّل إلى تنسيق سياسي أو اعتراف مجاني أو إلغاء لحال الحرب من دون ضمانات، وذلك قبل الوصول إلى اتفاق سلام عادل.
وأوضح باسيل أنّ لبنان حالياً في حال حرب مع إسرائيل، وأنّ الهدف هو إنهاؤها والوصول إلى السلام، إلا أنّ ذلك يتطلّب أولاً الدخول في مسار تفاوضي سليم تتحقّق فيه المطالب والحقوق، مشيراً إلى أنّ للتفاوض شروطه مع الخارج وأصوله الدستورية في الداخل، سواء في رئاسة الجمهورية أو الحكومة أو مجلس النواب.
وأكد باسيل أنّ قوّة لبنان التفاوضية تبدأ من وحدته الداخلية، وأنّ تحصين موقفه يمرّ حتماً بتعزيز مناعته، داعياً "حزب الله" إلى مقاربة أكثر تبصُّراً لمخاوف شريحة واسعة من اللبنانيين وعدم الاستخفاف بها، وإلى إعلان خطوة متقدّمة نحو الالتزام الكامل بمقتضيات الدولة الحامية العادلة والمحايدة عن صراعات المحاور، عبر التسليم بحتمية حصر السلاح والقرار بيد الدولة، كما دعا بقية اللبنانيين إلى تفهُّم مخاوف وهواجس البيئة الشيعية والتعاطي معها بحرص واستيعاب ومحبة.
وأشار باسيل إلى أنّ حماية لبنان تستوجب التوافق الداخلي واستعادة ثقة اللبنانيين بدولتهم، كما تفترض دعماً عربياً ودولياً، لأنّه لا مصلحة للبنان في أن يُترك وحيداً في مواجهة إسرائيل، ولا أن تُفرض عليه شروط تمسّ بجوهر كيانه، من توطين الفلسطينيين إلى إعادة ترسيم الحدود بشكل مجحف أو فرض وقائع أمنية خطيرة، كإقامة نقاط إسرائيلية ثابتة في الجنوب أو شرعنة خرق الأجواء تحت أي ذريعة، مؤكداً أنّ هذه ليست تفاصيل تفاوضية بل خطوط حمراء سيادية.
وأكد باسيل أنّه اعترض بوضوح على حروب الإسناد التي جرت تحت عناوين إقليمية، سواء باسم الدفاع عن غزة أو عن إيران، معتبراً ذلك حقاً سياسياً ووطنياً مشروعاً، لكنه شدد على أنّ ذلك لا يعني تبرير أي عدوان إسرائيلي على لبنان، كما رفض توريط لبنان في حروب لا تخدم مصلحته، ورفض أيضاً أي محاولة لتصوير إسرائيل كحليف للدولة اللبنانية في مواجهة جماعة لبنانية، معتبراً هذا الطرح خطيراً، ومؤكداً أنّ "حزب الله"، رغم الاختلاف معه، يبقى جزءاً من النسيج اللبناني ولا يجوز التعامل معه بمنطق الحذف أو الإلغاء أو الاستعداء الخارجي.
ولفت باسيل إلى أنّه يتوجّب على لبنان الرسمي، بدلاً من اللهث وراء مفاوضات مباشرة قد يكون أحد أوجهها عاراً على لبنان، أن يتوجّه إلى محكمة الجزاء الدولية واتهام إسرائيل بجرائم الحرب المتكرّرة والمتمادية التي ترتكبها ضد لبنان، لما يشكّله ذلك من ورقة تفاوضية قوية على مستوى القانون الدولي.
وأشار باسيل إلى أنّه مع السلام الحقيقي كما بشّر به السيد المسيح، إلا أنّ هذا السلام لا يكون حقيقياً ومستداماً إلا إذا كان عادلاً، يضمن الحقوق في السيادة والأرض والأمن للبنان، ويضمن الأمن كذلك لإسرائيل، وفق ما نصّت عليه المبادرة العربية للسلام في قمة بيروت عام 2002، والتي تضمن أيضاً حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته وحقوق جميع الأطراف، مؤكداً أنّه لا يمكن عزل أي مسار سلام بين لبنان وإسرائيل عن الإطار الأوسع للسلام العربي-الإسرائيلي.
وأضاف باسيل أنّ الحاجة تبرز إلى إعادة إنتاج عقد وطني جديد يقوم على العيش المشترك الفعلي وحسن إدارته، ويؤسس لدولة حقوق وقانون ومؤسسات ومساءلة، من دون إعادة إنتاج منظومة المحاصصة، محذّراً من أنّ هذا العقد لن ينجح إذا أعاد توليد الهواجس الوجودية، ولا سيّما لدى المسيحيين.
وأشار باسيل إلى أنّ التجارب، ولا سيّما بعد اتفاق الطائف، أظهرت أنّ أي خلل في التوازنات أو شعور بالاستهداف يهدّد الاستقرار، لافتاً إلى قلق مشروع من أن تأتي أي تسوية جديدة على حساب التمثيل والدور، في ظل مناخ إقليمي يقدّم الأولويات الأمنية على الاعتبارات الدستورية والوطنية.
وأكد باسيل أنّ أي تسوية تُفرض من الخارج أو تقوم على مقايضات سلطوية لن تعيش، كما أنّ أي محاولة لمقايضة السلام بامتيازات داخلية ستُعيد لبنان إلى انقسام عمودي خطير، معتبراً أنّ المطلوب هو إطلاق مشروع وطني جامع يُعيد بناء الثقة ويؤسس لدولة قادرة.
وختم باسيل بالتأكيد أنّ من مصلحة الطائفة الشيعية أن يعلن "حزب الله" استعداده للانخراط الكامل في الدولة ومصارحة اللبنانيين بالضمانات المطلوبة لحماية لبنان والحفاظ على سيادته، مشيراً إلى أنّه يقع على عاتق الدولة، وعبر "مقترح حماية لبنان"، تأمين كافة شروط الحماية والسيادة، باعتبار أنّ حصر السلاح والقرار بيد الدولة بات من المسلّمات، فيما باتت لازمة أزلية السلاح وأبديّته مصدر أذى وخطر على لبنان وصيغته، مؤكداً أنّ لبنان لا يُبنى بالغلبة ولا يُحمى بالانقسام ولا يُنقذ بالارتهان، بل إنّ الدولة القوية العادلة الجامعة وحدها القادرة على ترسيخ الاستقرار وتحقيق السلام الحقيقي.





















































