لا تندرج مواقف رئيس الجمهورية جوزاف عون، بشأن رغبته بإنهاء الحرب الاسرائيلية على لبنان في خانة الرفض اللبناني العام، كما يحاول "حزب الله" الإيحاء، بل إن متابعة سياق خطاب رئاسة الجمهورية، ومعارضة "حزب الله" له، وتحفّظ رئيس مجلس النواب نبيه بري عليه، لا يعدّ رفضاً لبنانياً شاملاً، بل هي مسألة نسبيّة، خصوصاً ان معظم القوى السياسية، تشجّع رئاسة الجمهورية على المضي قُدماً في طرح التفاوض مع إسرائيل، وفق البنود التي يريد لبنان تحقيقها.
يحق لأي فريق سياسي، مهما كان حجم أو طبيعة تمثيله، أن يقبل او يرفض، ان يشيد او ينتقد، توجهات رئيس الجمهورية في هذا المسار، لكن من المعيب ان يسمح أي فريق، برفع صور وشعارات تسيء لموقع رئاسة الجمهورية اللبنانية، او لشخص الرئيس، خصوصاً في تشبيهه بالعدو. تلك خطيئة وطنية لا تقتصر تداعياتها على آنية المرحلة الحالية، بل تولّد الشرخ الاخطر داخل المجتمع اللبناني، وتجرّ تصرفات مسيئة بحق مواقع رسمية، وحزبية، ورموز أخرى. فهل يُدرك "حزب الله" ما يفعله وجمهوره، بحق البلد ومكوناته ومستقبله؟
ماذا فعل رئيس الجمهورية، كي يتم التحريض على موقعه وشخصه؟ هل قال الرئيس جوزاف عون انه سيتنازل عن تحرير الارض؟ أو يغض النظر عن عودة النازحين والمهجرين إلى ارضهم؟ او قال انه يريد وقف الحرب، وتعزيز سيادة الدولة على كامل ارض الجنوب، وتحديداً المساحات التي احتلتها اسرائيل؟ واعادة الاسرى، والدخول في ورشة اعادة الاعمار؟
اظهر الرئيس عون تأكيداً، في لقائه الهيئات الاقتصادية، ان التفاوض مع اسرائيل لن يكون تحت النار.
هل مارست رئاسة الجمهورية فعلاً وطنياً، بوضع تلك العناوين للمرحلة المقبلة، ام انها تنازلت عن حقوق لبنان؟ هذا هو المهم في خطاب واداء رئيس الجمهورية.
إذا كان "حزب الله" يملك تاريخياً حق وشرعية المقاومة، ضد الاحتلال الاسرائيلي، وخلفه وقف اللبنانيون صفاً واحداً، الاّ ان مسار المواجهة الحالية وتداعياتها الأخيرة، فرضت على اللبنانيين انفسهم، يتقدّمهم رئيس الجمهورية، مساراً مختلفاً لتحقيق ذات الاهداف الوطنية. فهل يسمح اختلاف سُبل المعالجة، بإرتكاب الحزب الاخطاء المتراكمة بحق معظم اللبنانيين؟
تميّز الحزب نفسه بحكمة، طبعت أداؤه منذ اكثر من ثلاثة عقود، نال فيها دعماً شعبياً عابراً للطوائف والمناطق والحدود، وتلك كانت إحدى ركائز قوّته في وجه اسرائيل، لكن الحزب يخسر بسرعة ذاك الدعم والتعاطف، مما يفرض عليه تغيير سلوكه الداخله، وتجديد خطابه، وعدم حقن جمهوره بخطاب متوتّر لتخوين كل من يعارضه الرأي في الداخل اللبناني، الاّ إذا كان هدفه فعلاً الهروب إلى الأمام، على قاعدة: أنا او لا احد.
سيستيقظ جمهور الحزب العريض على واقع لبناني، مفاده ان معادلة لبنان الوطن النهائي لجميع ابنائه، التي رفعها الامام موسى الصدر يوماً، هي الأصح، وأن عدم الالتزام بها، تدفع البلد نحو ازمة مجتمعية، سيكون "حزب الله" خاسراً فيها، مهما كانت نوعية نتائج الحرب، او طبيعة التسوية الاميركية - الإيرانية المرتقبة.
رغم محطة امس العابرة بين قصر بعبدا وعين التينة، لا يوجد خيار امام برّي إلاّ ترجمة خياراته في لم الشمل الوطني، لأن المسار التصاعدي الذي وصل إلى حد رفع صور مسيئة لرئيس الجمهورية، في بعض شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت، واحتدام الخطاب السياسي، والكتابات غير المنضبطة اخلاقياً ووطنياً على وسائل التواصل الاجتماعي، كلّها لا تفيد جمهور حركة "امل" و "حزب الله"، الذين يحتاجون اكثر من غيرهم، إلى خطاب سياسي وطني توجيهي، يضع التباين السياسي في مواضعه المؤسساتية، مهما كان حجم الخلاف في وجهات النظر، بشأن طريقة وتوقيت التفاوض، طالما أن الهدف الوطني في توجّه رئاسة الجمهورية وغالبية الشعب اللبناني، يقوم على اساس عدم التنازل عن مطلب وقف الحرب، وعن السيادة، او عودة النازحين إلى أرضهم، واعادة الاسرى، ثم الإعمار الذي سيكون اولوية لا يتقدم عليها شيء، في حسابات الجنوبيين اولاً.
لا يزال الرهان على رئيس مجلس النواب، لبنانياً وعربياً ودولياً قائما، فليتدخّل، لوقف المسار الانحداري في الخطاب والأداء، وابقاء الوصل مع رئاسة البلاد اولاً، وعبرها مع كل الطيف اللبناني. هو الوحيد القادر على فعل ذلك.
هذا ما كان سيفعله الامام الصدر، على قاعدة اطلقها يوماً، ولا تزال تصلح لكل زمان: سلام لبنان الداخلي افضل وجوه المواجهة مع اسرائيل.





















































