احتدم التوتر في اليومين الماضيين بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وحزب الله، والذي كان أساسه انخراط الحزب في الحرب بعد اغتيال مرشد الجمهورية الإيرانية السيد علي خامنئي، وتطور مع الأيام ليصل الى مستوى عال واتهامات بالخيانة. النقطة المحورية الأخيرة التي شهدت سجالات حامية غير مباشرة، تتعلق بما تضمنه بيان الخارجية الأميركية حول تحرك إسرائيل في لبنان والذي رد عليه عون بالقول ان هذا الامر تضمنه بيان اتفاق وقف الاعمال العدائية عام 2024. فهل الخلاف سياسي ام مبدئي؟
بالعودة إلى اتفاق 2024، فهو ينص على أن: "كلا الطرفين يحتفظان بحق الدفاع عن النفس". هذه العبارة، بصيغتها المتوازنة، تعكس مبدأ تقليدياً في الاتفاقات الدولية، حيث يمنح كل طرف حقاً متساوياً نظرياً في الرد على التهديدات. كما يتضمن الاتفاق بنوداً واضحة حول "وقف الأعمال الهجومية" و"الانسحاب التدريجي"، ما يوحي بإطار تهدئة متبادلة يقوم على تقليص الاحتكاك المباشر، وهو ما لم تلتزم به إسرائيل.
في المقابل، جاء في البيان الصادر عن الخارجية الأميركية بعد الجلسة الأولى من اللقاءات المباشرة بين سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو: "تحتفظ إسرائيل بحقها في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن النفس، ولن يُقيّد هذا الحق".
الملاحظة الدقيقة هنا لا تتعلق فقط بوجود "حق الدفاع عن النفس"، بل بكيفية صياغته. فالبيان، بخلاف اتفاق 2024، لا يكرر العبارة نفسها بصيغة مزدوجة تشمل الطرفين، بل يركّز صراحة على إسرائيل. كما أن تعبير "جميع الإجراءات اللازمة" و"لن يُقيّد هذا الحق"، يوسّعان من نطاق التفسير بشكل ملحوظ مقارنة بالصياغة العامة في الاتفاق السابق، وهذا الفرق اللغوي ليس تفصيلًا شكليًا لان العبارات "الفضفاضة" تستخدم غالباً لترك هامش حركة واسع في التطبيق. وهنا تحديداً، يظهر مصطلح "الدفاع عن النفس" كأحد أكثر المفاهيم قابلية للتأويل. تقليدياً، يرتبط هذا الحق بوجود هجوم مسلح أو تهديد وشيك، لكن تعريف هذا النوع من التهديد ليس ثابتاً، فالاحداث والتطورات الأخيرة اثبتت انه بات يستخدم لتبرير ضربات استباقية تستند إلى تقديرات استخباراتية، لا إلى وقائع ميدانية مؤكدة.
في الحالة اللبنانية، يزداد التعقيد بسبب وجود حزب الله كلاعب فاعل أساسي خارج الإطار الرسمي للدولة، خصوصاً بعد قرار الحكومة اعتبار نشاطاته العسكرية خارج القانون، ولكن، لان الاتفاقات تعقد بين دول، فإن أي نشاط عسكري يصدر عن الحزب يدرج ضمن مسؤولية الدولة اللبنانية من وجهة نظر هذه النصوص، حتى لو لم يكن خاضعاً مباشرة لقرارها.
هذا الواقع قد يفسّر جزئياً عدم ورود نص مواز يمنح لبنان "حق الدفاع عن النفس" في البيان الأميركي، بنفس الوضوح الذي تم ذكره لإسرائيل، ليس لأن هذا الحق غير موجود من حيث المبدأ -فهو حق سيادي بديهي لأي دولة- بل لأن البيان يركّز على الجهة التي يتوقع أن تستخدم القوة في إطار "الردع" أو "المنع"، وهي في هذه الحالة إسرائيل. في المقابل، يلقى على عاتق لبنان واجب "منع الهجمات من أراضيه"، وهو التزام يحمل بعداً داخلياً معقّداً.
فهل يعني ذلك أن البيان يستهدف حزب الله بشكل مباشر؟ هذا النص بحد ذاته لا يذكر الحزب، ولا يتضمن أي إشارة صريحة إليه. لكن في التطبيق العملي، يؤدّي هذا النوع من الصياغات إلى تضييق هامش حركته. فإذا قامت إسرائيل بعمليّة داخل لبنان، يمكنها تبريرها استناداً إلى عبارة "الدفاع عن النفس" بصيغتها الموسّعة، وفي غياب آلية فوريّة ومحايدة للتحقّق، يبقى التقدير بيد الطرف الذي ينفذ الضربة.
في المقابل، أيّ رد من الحزب قد يعتبر خرقاً للاتفاق، لأنه لا يندرج ضمن إطار الدولة الرسمية كما يفترضه النص، وهنا تحديداً يتجلى التفاوت بين الصياغة القانونية والواقع الميداني.
الفارق بين اتفاق 2024 وبيان 2026 لا يكمن في وجود أو غياب مبدأ "الدفاع عن النفس"، بل في كيفية تعريفه وتوزيعه. الأول يقدّمه كحق متوازن ومجرد، بينما الثاني يمنحه لطرف واحد بصيغة موسّعة وغير مقيّدة. وبين النصين، تتشكل مساحة رمادية واسعة، هي التي تغذّي الجدل السياسي في لبنان حالياً، وتفتح الباب أمام تفسيرات متباينة، كل منها يستند إلى جزء من الحقيقة، من دون أن يختزلها بالكامل.