في وقت تتأرجح فيه الهدنة المُمدَّدة ثلاثة أسابيع إضافية في ظل الخروقات المتواصلة، من غارات جوية وقصف مدفعي وتدمير واسع للمنازل والبنى التحتية، تواصل إسرائيل تنفيذ نهج عسكري جديد يقوم على إنشاء مناطق عازلة خالية من السكان، بدل الاعتماد على الاجتياحات البرية التقليدية.
وبحسب خبراء عسكريين ومراقبين سياسيين لـ"النشرة"، فإن إسرائيل، التي تخوض للمرة الأولى صراعًا طويل الأمد على جبهات متعددة، شرعت في تطبيق استراتيجية جديدة ترتكز على إقامة "مناطق عازلة" في قطاع غزة وجنوب سوريا، وتمدّد هذا النهج لاحقًا إلى جنوب لبنان. ويُعد هذا التحول نتيجة مباشرة لتداعيات عملية "طوفان الأقصى" في 7 تشرين الأول 2023، التي شكّلت نقطة مفصلية في إعادة صياغة العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
ووفق هؤلاء، تهدف هذه الاستراتيجية إلى السيطرة على مساحات تمتد لعشرات الكيلومترات داخل الأراضي المحاذية، وتحويلها إلى نطاقات خاضعة للسيطرة النارية أو "مناطق محروقة"، فيما يُعرف ميدانيًا بـ"الخط الأصفر". ويستند هذا التوجه إلى قناعة متزايدة لدى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بأن حماية التجمعات الحدودية لا يمكن أن تتحقق من داخل الحدود فقط، بل تتطلب إبعاد مصادر التهديد وخلق أحزمة فاصلة.
تاريخيًا، اعتمدت إسرائيل على الاجتياحات العسكرية كأداة رئيسية في إدارة الصراع. فقد سيطرت على قطاع غزة حتى انسحابها الأحادي عام 2005، كما احتلت هضبة الجولان منذ عام 1967 وضمتها رسميًا عام 1981. وفي لبنان، تكررت الاجتياحات منذ عام 1978، وصولًا إلى اجتياح بيروت عام 1982، قبل أن تُنشئ شريطاً أمنياً محتلاً في الجنوب بعمق نحو 15 كيلومترًا، استمرت حتى انسحابها عام 2000 تحت ضغط عمليات حزب الله.
كما شهد عام 2006 حربًا واسعة استمرت 33 يومًا عقب عملية نفذها "حزب الله" على الحدود، وأسر خلالها جنديين من أجل مبادلتهم بالأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، وأسفرت عن غارات إسرائيلية مكثفة استهدفت البنية التحتية اللبنانية.
ومع اندلاع حرب غزة في 7 تشرين الأول 2023، إثر عملية "طوفان الأقصى"، دخل "حزب الله" على خط المواجهة، وأعلن حرب الإسناد ضد إسرائيل، التي ردت بعمليات عسكرية واسعة شملت قصفًا جويًا ودفع قوات برية إلى الجنوب، قبل أن تُبقي على وجود عسكري في خمس نقاط مرتفعة بعد وقف إطلاق النار في تشرين الثاني عام 2024.
وفي 2 آذار، أطلق "حزب الله" صواريخ على "إسرائيل" بعد يومين فقط من العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران في 28 شباط، ما أدى إلى فتح جبهة الجنوب وأقدمت إسرائيل على اجتياح القرى والبلدات وإنشاء المنطقة العازلة–الخط الأصفر.
ورغم التوصل إلى هدنة برعاية أميركية في 17 نيسان، جرى تمديدها ثلاثة أسابيع في 23 منه، إلا أن الخروقات الإسرائيلية استمرت، في ظل مساعٍ واضحة لاستكمال إنشاء المنطقة العازلة في الجنوب، على غرار ما جرى في غزة وسوريا. وهو ما عبّر عنه أكثر من مسؤول إسرائيلي بالإشارة إلى اعتماد "نموذج غزة"، في إشارة إلى مدينتي رفح وبيت حانون، اللتين تعرضتا لتدمير واسع وتهجير سكاني قسري.
في حربها على غزة، دمّرت إسرائيل مساحات شاسعة من القطاع على الحدود معها، وأنشأت منطقة عازلة تحت ذريعة حماية المدنيين، بينما احتلت قمة جبل الشيخ الاستراتيجية في جنوب سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، وفرضت إنشاء منطقة منزوعة السلاح تمتد من دمشق إلى جبل الشيخ، وشنت عددًا من الغارات في جنوب سوريا.
خلاصة المشهد أن إسرائيل تعيد صياغة استراتيجيتها العسكرية بما يتلاءم مع بيئة صراع معقدة ومتغيرة. فبدل الحسم السريع عبر الاجتياح، تتجه نحو إدارة الصراع عبر إعادة تشكيل الجغرافيا الحدودية، وخلق معطيات ميدانية تقوم على تقليص الاحتكاك المباشر، وفرض وقائع أمنية جديدة على امتداد الجبهات المحيطة.