لم يعد الشرق الأوسط يعيش على حافة الهاوية فحسب، بل بات داخل معادلة مفتوحة على كل الاحتمالات. فبين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران ومحورها من جهة أخرى، تتراكم مؤشرات مواجهة لا تشبه ما سبقها، لا في أدواتها ولا في أهدافها. ما يجري اليوم ليس مجرد جولة توتر عابرة، بل إعادة رسم لموازين القوى في المنطقة، تتشابك فيها الحسابات العسكرية مع الرهانات السياسية الكبرى. في هذا السياق، يصبح السؤال المركزي: هل نحن أمام محاولة لفرض واقع جديد بالقوة، أم أمام آخر مراحل الضغط قبل العودة إلى طاولة التفاوض؟
"لو كانت الأمور تقف عند حدود ما يريده الإيرانيون والأميركيون لربما كان حُسم الاتفاق، لكن المشكلة اليوم أن أي اتفاق لا يُرضي إسرائيل مهما قدمت إيران من تنازلات". هذا ما تراه الأستاذة في العلاقات الدولية الدكتورة ليلى نقولا، لافتةً إلى أن "تل أبيب ترى أنها حققت إنجازات تاريخية ولا يجوز أن تتراجع قبل القضاء على إيران وعلى المحور برمّته، وهي اليوم لا تزال مقتنعة رغم كل الخسائر والدمار بأن التجربة لا تزال واردة"، مشيرةً إلى أنها "لم تصل إلى نقطة الذروة التي تقتنع فيها بضرورة الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وحلم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن يجعل من إسرائيل دولةً عظمى كالولايات المتحدة لا يزال قائماً، وأنه يمكنه فرض هيمنته على الإقليم".
"نتنياهو رسم المسار مسبقاً: إكمال القضاء على إيران والمحور، ثم الانتقال إلى الدول السنية والتقاتل معها". وهنا تشير نقولا إلى أنه "بالنسبة له، وطالما يطمح إلى أن تصبح إسرائيل دولةً عظمى، فإن أي خسائر أمام هذا المشروع مقبولة. واليوم لديهم فرصة تاريخية عبر جرّ الولايات المتحدة إلى الحرب لتحقيق أهدافهم. وبالتالي، فإن أي مسار تفاوضي إيراني-أميركي محكومٌ بإرادة إسرائيل".
لا تستبعد ليلى نقولا حصول جولة قتال إضافية يسعى إليها الإسرائيليون، لافتةً إلى أن "اليوم يختلف عن حزيران الماضي بأمر واحد، هو أن الإيراني كان يدرك أن الحرب قادمة وحاول تقديم التنازلات لإبعاد شبحها وليُظهر لجمهوره وللخارج أنه في موقف الدفاع عن النفس"، مشيرةً إلى أن "هذه الجولة تختلف عن بداية الحرب في 28 شباط الماضي، لأنه وقتذاك لم يكن مسارها واضحاً في ظل التفوق الأميركي وحجم التنازلات التي قدمها الإيرانيون"، مضيفةً: "قبل شباط كان الإيراني يريد إبعاد شبح الحرب، أما اليوم وبعد التجربة فهو لم يعد يخشاها كما كان".
إذا حصلت جولة قتال جديدة، فالمرجح أن تستهدف الجمهورية الإسلامية الدول العربية مجدداً. وهنا تشير مصادر مطلعة إلى أن "الإمارات لن تكون بمنأى عن الصواريخ الإيرانية، أولاً لكونها أقدمت على التطبيع مع إسرائيل، أما السعودية فلها وضع مختلف لكونها دولةً محوريّة". إذ تلفت المصادر إلى أن "استهدافها قد يؤثر على سائر الدول العربية، وإيران تحرص على صون علاقاتها معها".
أما بخصوص لبنان، فتُقرّ المصادر "بوجود سقف عربي للتطبيع لا يمكن لبيروت أن تتجاوزه"، لافتةً إلى أنه "في حال المضي باتجاه التطبيع، فسيكون على غرار مسار الإمارات لا السعودية، وفي لقاء الرئيس جوزاف عون بنتنياهو إنجازٌ شخصي للأخير وللرئيس الأميركي دونالد ترامب".
في نهاية المطاف، لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو حسم سريع، بل نحو مرحلة أكثر تعقيداً حيث تتداخل خطوط الحرب والتفاوض في آن واحد. فإسرائيل تمضي في اختبار حدود القوّة، وإيران تحاول إدارة المواجهة دون الانزلاق إلى حرب شاملة، فيما الولايات المتحدة توازن بين الردع والانخراط. وبين هذا وذاك، تبقى الدول العربيّة أمام استحقاقات صعبة، ولبنان تحديداً أمام خيارات مصيريّة لا تحتمل المراوحة. والسؤال لم يعد إن كانت المواجهة ستتوسع، بل كيف، ومتى، وبأيّ كلفة على المنطقة بأسرها.
























































