ليست الإساءة التي طالت غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي استهداف لشخصيّة كنسيّة أو مرجعيّة روحيّة، بل هي، في عمقها، مساسٌ بإحدى القامات الوطنيّة التي شكّلت، عبر عقود، صوت الضمير اللبناني، والمدافع عن الإنسان، والحرّيّة، والكرامة، ووحدة الوطن بمسيحييه ومسلميه، بل عن العائلة اللبنانيّة بأسرها. فحين يُستهدف البطريرك، لا يُستهدف شخصٌ بعينه، بل تُصاب في الصميم صورة لبنان الرسالة، لبنان التعدديّة، ولبنان العيش معًا.
غير أنّ الردّ الأبلغ لم يأتِ من سجالٍ أو انفعال، بل من حكمة البطريرك نفسه، في عظة الأحد الماضي:
"إنّ ما يجري اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي من حرب كلاميّة ليس حرّيّة رأي، بل انحدارٌ مُقلقٌ في سلّم اللغة والقيَم، واستباحةٌ لكراماتٍ لا يحقّ لأحدٍ أن يمسّها، أيًّا كانت مصادرها أو وجوهها."
بهذه الكلمات، لم يدافع البطريرك عن ذاته، بل دافع عن صورة الوطن، وعن أخلاق الخطاب العامّ، وعن الكرامة الإنسانيّة التي لا يجوز أن تسقط تحت ذرائع الاختلاف السياسي أو الفكري.
وقد أكمل غبطته موقفه بكلمات تختصر جوهر رسالته الوطنيّة:
"لبنان أكبر من مهاترات عابرة، وأسمى من أن يُختزل بضجيج أصوات تُسيء إلى ذاتها قبل أن تُسيء إلى غيرها."
إنّ هذه الكلمات ليست ردّ على إساءة، بل إعلان إيمان بلبنان الحلم، وبأنّ ما بُني عبر التاريخ على العيش المشترك، والمحبّة، والكرامة، لا تهدمه زوابع التجريح، ولا تزعزعه حملات الإساءة. فما تأسّس على الشهادة، والحرّيّة، والاحترام، يبقى أرسخ من كلّ انفعال زائل، وما شُيّد على تراب وطن الأرز لا تقتلعُه العواصف.
ولعلّ الأجمل في هذه المحنة أنّ أصواتًا من مختلف الانتماءات الدينيّة والفكريّة في لبنان، ومن بينهم رجال دين ومثقفون وإعلاميون من الطائفة الشيعيّة، عبّروا عن رفضهم لهذه الإساءة، مؤكّدين أنّ البطريرك الراعي لا يمثّل جماعة بعينها، بل يمثّل ضميرًا وطنيًّا جامعًا يتجاوز الانقسامات الضيّقة.
إنّ هذه الإساءة لا تتعارض فقط مع الأخلاق الوطنيّة والأخوّة الإنسانيّة، بل تتناقض أيضًا مع القيم الدينيّة الجامعة التي ترفض الإهانة والتشهير. فالقرآن الكريم يقول:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ... وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ" (الحجرات ١١:٤٩)
كما يقول أيضًا:
"ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" (النحل ١٥: ٢٠)
وفي الحديث الشريف الذي رواه البخاري عن نبي الإسلام:
"لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتّى يُحِبَّ لأَخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ".
وهي القيم ذاتها التي أعلنها السيّد المسيح في الإنجيل المقدّس بقوله:
"فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ، افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ" (متى ٧: ١٢)
هكذا تلتقي الرسالات السماويّة في الدفاع عن كرامة الإنسان، ورفض الإساءة، وصون الكلمة من الانحدار، لأنّ خطاب الكراهية لا يُنتج إلّا مزيدًا من الانقسام والانحطاط الفكري والاجتماعي والإنساني.
وفي هذا كلّه، يبدو البطريرك شاهدًا حيًّا لكلمة السيّد المسيح:
"إن كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم" (يوحنا 15: 20).
غير أنّ الاضطهاد، في الإيمان المسيحي، ليس نهاية الطريق، بل بداية القيامة. ومن هنا يبقى الرجاء حيًّا بأنّ قيامة لبنان آتية.
لذلك، فإنّ الإساءة إلى البطريرك لن تُضعف صوته، بل ستؤكّد من جديد أنّ الرجل الذي يحمل الحقيقة قد يُحارَب، لكنّه لا يُهزم، لأنّه يحمل قضيّة وطن، ورسالة شعب، وإيمانًا حيًّا يسكن في الأبناء كما في الآباء، وكما حمله الأجداد المؤسّسون لهذا الوطن.






















































