في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يقف ​الشرق الأوسط​ على حافة مرحلة جديدة لا تزال معالمها غير واضحة. فالتوتر المتصاعد بين ​الولايات المتحدة​ و​إيران​ لا يقتصر على الحسابات العسكرية والأمنية فحسب، بل يتجاوزها إلى صراع نفوذ ومصالح قد يعيد رسم التوازنات في المنطقة بأكملها. وبين الغموض السياسي، والرسائل المتبادلة، والتحركات الدبلوماسية المتسارعة، يبقى السؤال الأساسي: هل نحن أمام محاولة حقيقية لاحتواء الانفجار، أم أن ما يجري ليس سوى تمهيد لمواجهة أكبر؟ وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبرز ​لبنان​ مجدداً كأحد أكثر الأطراف تأثراً بأي تحول إقليمي، ما يفرض قراءة دقيقة لما يجري والانعكاسات المحتملة على الواقع السياسي والاقتصادي والأمني.

هذا كله يبدو جيداً في الشكل، لكن تبقى أسئلة كثيرة معلّقة: هل ما يحدث مناورةٌ، أم أن الجولات الدبلوماسية نجحت فعلاً في لجم التصعيد؟ أما على الجانب اللبناني، فيشكّل احتمال لقاء رئيس الجمهورية ​جوزاف عون​ برئيس الوزراء الإسرائيلي ​بنيامين نتنياهو​ نقطة خلاف كبيرة. فهل ستلعب السعودية دوراً بارزاً في إقناع الولايات المتحدة بخطورة هذا الأمر وانعكاساته على لبنان؟

"الوضع غامض؛ فوزير الدفاع الأميركي أعلن أن الهجوم على إيران انتهى وأن قواتنا في الخليج باتت تضطلع بدور دفاعي، فيما أعلن الرئيس ​دونالد ترامب​ أنه أوقف "مشروع الحرية"". هذا ما أكده البروفسور في القانون في جامعات باريس ​فادي فاضل​، لافتاً عبر "النشرة" إلى أن "الغموض يكتنف أهداف الولايات المتحدة من الحرب؛ فبعد الهجوم والحصار البحري على الجمهورية الإسلامية، باتت واشنطن تعتبر أن طهران ضعُفت وأن الوقت حان للتفاوض على الملف النووي. أما إيران فترى أنها انتصرت، وتسعى إلى فرض إدارة جديدة ل​مضيق هرمز​ تقوم على تحصيل رسوم مرور للسفن، مع تقييد حركة السفن الأميركية ومنع الإسرائيلية من العبور".

بدوره، يشير أستاذ التواصل الاستراتيجي والعلاقات الحكومية في باريس الدكتور ​نضال شقير​ إلى أن "هذه الحرب بلا أفق، إذ إن أهدافها ليست واضحة؛ المؤكد أن ليس لدى جميع الأطراف نية للاشتباك، لكن الهدف الأميركي من الحرب على إيران لا يزال مبهماً حتى الآن". ويعود فادي فاضل ليؤكد أننا "قد نكون في طريقنا نحو مرحلة جديدة من التفاوض، وعامل الوقت فيها لصالح إيران لا الولايات المتحدة، أو ربما يُعلن ترامب هجوماً جديداً ويسير في الاتجاه الحربي"، مشيراً إلى أن "هذا الأمر هو مصدر الغموض القائم". أما نضال شقير فيرى أن "الأمور تتجه إلى حالة من عدم الاتفاق وعدم التصعيد في آنٍ معاً، وترامب في موقف حرج إذ إن التصعيد العسكري لا يصبّ في مصلحته".

"كان ثمة اتفاق نووي في العام 2015 نسجته الإدارة الأميركية في عهد ​باراك أوباما​ مع إيران، وقد خرج منه ترامب". هنا يرى الدكتور شقير أن الاتفاق الذي أُبرم حينها وضع خطةً لا تُفضي إلى امتلاك إيران قنبلةً نوويةً، مع رفع العقوبات عنها في آنٍ واحد، معرباً عن اعتقاده بأنه "قد يكون الأفضل في المرحلة الراهنة". ويلفت الدكتور فادي فاضل إلى أنه "يمكن أن تؤدي ​الصين​ دوراً في التهدئة، لا سيما أنها شريك أساسي لإيران التي تحصل على 60% من وقودها وطاقتها من الجمهورية الإسلامية، وبكين لا تميل إلى الحرب بل تتجه نحو الحوار". ويُضيف أن "الصين حليفةٌ لإيران، فيما تجاوز دَين الدولة الأميركية لها 1100 مليار دولار، مما يجعلها شريكاً اقتصادياً وازناً لواشنطن من خلال ما أقرضته لها من الدين العام. وثمة مصالح مشتركة بين بكين وواشنطن تُمكّن الصين من العمل على إيجاد مخرج لكلٍّ من إيران وأميركا على قاعدة لا غالب ولا مغلوب".

في النهاية، يبدو أن المنطقة دخلت مرحلة "اللايقين الاستراتيجي"، حيث تختلط رسائل التهدئة بإشارات التصعيد وتبقى كل الاحتمالات مفتوحة بين العودة إلى التفاوض والانزلاق نحو مواجهة أوسع. غير أن المؤكد هو أن أي تطور في العلاقة الأميركية-الإيرانية لن يبقى محصوراً بين الطرفين، بل ستنعكس تداعياته مباشرة على دول المنطقة وفي مقدمتها لبنان، الذي يجد نفسه مجدداً أمام تحديات تفوق قدرته على الاحتمال. وبين منطق الحرب ومنطق التسويات، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة القوى الدولية والإقليمية على منع انفجار شامل قد يغيّر وجه الشرق الأوسط لسنوات طويلة.