القمة بين الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ والرئيس الصّيني ​شي جين بينغ​ ليست حدثاً بروتوكولياً عادياً في العلاقات الدولية، بل محطة تكشف بوضوح شكل العالم الذي يتكوّن أمام أعيننا.

النتيجة الأهم للقمة ليست في البيانات الرسمية، بل في ما أظهرته من تبدّل عميق في ميزان القوى العالمي.

الولايات المتحدة​ لم تعد تتعامل مع ​الصين​ كقوة صاعدة يمكن تطويقها أو احتواؤها، بل كندّ استراتيجي كامل.

وفي المقابل، لم تعد بكين تتصرف بعقلية "الصعود الهادئ"، بل بعقلية القوة الكبرى التي تفاوض من موقع الثقة، لا من موقع الحذر.

من هنا يمكن فهم لهجة الصحافة الأميركية التي ركّزت على "إدارة التنافس" بدل الحديث عن الحسم أو الاحتواء.

أما الإعلام الصيني فتعامل مع القمة باعتبارها اعترافاً أميركياً واقعياً بأن زمن الهيمنة الأحادية يقترب من نهايته.

لكن الصورة الحقيقية ظهرت أكثر في ردود فعل ​أوروبا​ و​روسيا​.

الأوروبيون بدوا كعجوز يراقب ولادة عالم جديد وهو يدرك أن مكانته فيه لم تعد مضمونة كما كانت بعد الحرب الباردة.

في ​بريطانيا​ ظهر خوف واضح من انقسام اقتصادي–تكنولوجي عالمي تقوده واشنطن وبكين.

في ​فرنسا​ عاد بقوة الحديث عن "الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية"، أي محاولة بناء دور أوروبي مستقل لا يتحول إلى تابع أميركي ولا إلى سوق مفتوحة للصين.

أما ​ألمانيا​ فبدا قلقها أكثر واقعية: كيف يمكن حماية الاقتصاد الألماني إذا انقسم العالم إلى منظومتين اقتصاديتين متنافستين، فيما تعتمد الصناعة الألمانية على الصين، ويعتمد الأمن الألماني على الولايات المتحدة؟

لهذا تبدو أوروبا اليوم وكأنها تسير فوق حبل مشدود فهي لا تستطيع فك ارتباطها بواشنطن، ولا تستطيع خسارة بكين.

أمّا روسيا فتوحي بأنها تنظر إلى المشهد بثقة أكبر، فموسكو تعتبر أن مجرد اضطرار واشنطن إلى التفاوض مع الصين من الندّ إلى النّد، يعني أن العالم دخل فعلاً مرحلة ما بعد القطب الأميركي الواحد.

ولهذا تأتي زيارة الرئيس الروسي ​فلاديمير بوتين​ إلى بكين في هذا التوقيت بالذات تثبيتًا لمحور يرى أن الزمن يعمل لمصلحته.

الروس مقتنعون بأن الغرب لم يعد قادراً على فرض إرادته منفرداً كما حدث بعد انهيار ​الاتحاد السوفياتي​.

والصين، رغم براغماتيتها، تدرك أن شراكتها مع روسيا تشكل جزءاً أساسياً من توازن القوى مع الولايات المتحدة.

لكن هذا لا يعني أننا عدنا إلى حرب باردة كلاسيكية، فالعالم اليوم أكثر تعقيداً.

في الحرب الباردة كان هناك معسكران منفصلان بالكامل تقريباً.

أما اليوم فإنّ الاقتصادين الأميركي والصيني متشابكان إلى درجة تجعل الصدام الكامل مكلفاً للطرفين وللعالم كله.

لذلك نحن لا نعيش عالماً ثنائي القطب بالمفهوم القديم، ولا عالماً متعدد الأقطاب بالكامل. نحن أمام نظام دولي هجين مركزه أميركي–صيني، لكن أطرافه متعددة ومتداخلة.

هناك روسيا بقوتها العسكرية والنووية، وأوروبا بثقلها الاقتصادي، والهند الصاعدة بسرعة، إضافة إلى قوى إقليمية باتت تملك هامش استقلال واسع مثل تركيا والسعودية والبرازيل وباكستان.

أدق توصيف للمرحلة الحالية ربما يكون الآتي: انتهى عالم الهيمنة الأميركية المطلقة، لكن العالم الجديد لم يستقر بعد على شكل نهائي. انها مرحلة انتقالية كبرى تتراجع فيها العولمة التقليدية، ويعود فيها الاقتصاد إلى خدمة الجغرافيا السياسية، وتتحول فيها التكنولوجيا والطاقة والممرات إلى أدوات نفوذ وصراع.

لم يعد السؤال الحقيقي من يحكم العالم، بل كيف سيُدار التوازن بين القوى الكبرى بما لا يحوّل المرحلة الانتقالية التاريخية إلى فوضى دولية مفتوحة؟