تتعامل السلطة اللبنانية مع ملف التفاوض مع إسرائيل وكأن المشكلة الأساس تكمن في الحاجة إلى رعاية أميركيّة، بينما التجارب السابقة في المنطقة كلها تقول إن العقبة الحقيقية ليست في شكل الاتفاقات ولا في عدد الوسطاء ولا حتى في حجم الدول الراعية، بل في طبيعة المشروع الإسرائيلي نفسه، القائم على استخدام أي تفاوض كمرحلة انتقاليّة لتحصيل مكاسب إضافيّة، ثم الانقلاب على الالتزامات عندما تتغير الموازين أو تتوفر فرصة ميدانية جديدة.
من الضروري هنا تحديداً إجراء المقارنة مع ما جرى في غزة، لأنّ العالم كله شاهد كيف جرى تقديم الاتفاق هناك، في شرم الشيخ، على أنه لحظة دولية كبرى، شاركت فيها الولايات المتحدة ودول إقليمية ودولية وظهرت فيها واشنطن كضامن مباشر للمسار السياسي والأمني، إلى درجة أن الإدارة الأميركية تعاملت مع الاتفاق وكأنه مدخل لإعادة ترتيب المنطقة بأكملها. ومع ذلك، لم تحتج إسرائيل إلى وقت طويل كي تعود إلى سياسة القصف والاغتيالات والتوسع العسكري وفرض الوقائع الجديدة على الأرض، وكأن الاتفاق لم يكن سوى هدنة موقتة تستخدمها لترتيب أولوياتها العسكرية والسياسية.
المشكلة بحسب مصادر سياسية بارزة أن جزءاً من السلطة اللبنانية لا يزال يتصرف انطلاقاً من فرضية أن المجتمع الدولي قادر على ضبط إسرائيل إذا جرى الوصول إلى تفاهمات واضحة بمعزل عن استخدام اوراق القوة ورفض منطق التنازلات المجانية، بينما التجربة الممتدة منذ عقود تثبت أن تل أبيب لا تتعامل مع الاتفاقات باعتبارها التزامات نهائية، بل مجرد أدوات مرتبطة بمصالحها الأمنية.
ترى المصادر أنه عندما ترى إسرائيل فائدة في الالتزام تلتزم، وعندما تعتبر أن ميزان القوى يسمح لها بالتجاوز، تتجاوز من دون أي خشية حقيقية من العقوبات أو المحاسبة، وهذا تكرر في لبنان بعد تشرين الثاني العام 2024.
حتى القرار 1701، الذي يُفترض أنه أحد أكثر القرارات الدولية وضوحاً وحضوراً في الجنوب اللبناني، تحوّل عملياً إلى نموذج صارخ عن العجز الدولي. إسرائيل تخرق الأجواء اللبنانية يومياً، تنفذ عمليات أمنية وعسكرية، تهدد وتتوغل وتفرض معادلاتها بالقوة، فيما المجتمع الدولي يكتفي بالبيانات والدعوات إلى ضبط النفس. هذا وحده يكفي لفهم حدود الرهان اللبناني على الضمانات الخارجية، وتشير المصادر عبر "النشرة" الى أن السلطة اللبنانية تعوّل اليوم على فكرة أن واشنطن تريد الاستقرار في لبنان، وأن الأميركيين لا يرغبون بانفجار شامل على الحدود الشمالية لاسرائيل، ولذلك يمكن استثمار هذا التقاطع للوصول إلى تفاهمات تخفف الضغط عن لبنان وتفتح الباب أمام الدعم المالي وإعادة الإعمار، مشددة على أن هذه المقاربة تتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الولايات المتحدة نفسها تنظر إلى الملف اللبناني من زاوية أمن إسرائيل أولاً، وليس من زاوية حماية السيادة اللبنانية أو فرض توازن عادل بين الطرفين.
الأميركي بالنسبة له، أي اتفاق ناجح هو الذي يضمن هدوء الحدود وينهي قدرة حزب الله على المبادرة ويمنح إسرائيل هامش أمان طويل وسيطرة سياسية وعسكرية واقتصادية وأمنية، أما ما يتعلق بالسيادة اللبنانية أو استمرار الاحتلال أو الخروقات اليومية، فهي ملفات تبقى ثانوية طالما أن أمن العدو محفوظ.
لذلك يصبح الحديث اليوم عن ضمانات أميركية أقرب إلى محاولة إقناع اللبنانيين بواقعية سياسية لا تستند فعلياً إلى تجارب ناجحة في المنطقة، ورغم ذلك لا يتم النظر بجدية الى هذه التجارب من قبل المفاوضين، علما ان الأخطر هو أن إسرائيل لا تخفي أصلاً طبيعة أهدافها في لبنان، فهي تسعى إلى استثمار اللحظة الإقليمية الحالية لإعادة تشكيل البيئة السياسية اللبنانية نفسها.
تريد تل ابيب سلطة لبنانية أكثر تصادماً مع حزب الله، وجيشاً يؤدي دوراً أمنياً يتقاطع مع مصالحها، ومناخاً داخلياً يعتبر أن الأولوية المطلقة هي نزع السلاح، ولهذا، فإن أي مفاوضات لن تكون منفصلة عن الصراع الداخلي اللبناني.
في المقابل، تدرك المقاومة أن إسرائيل تحاول استخدام التفاوض لاستكمال ما عجزت عن تحقيقه بالحرب. لذلك هي تتعامل بحذر شديد مع أي مسار تفاوضي، لأنها تعرف أن إسرائيل تبني استراتيجيتها على التدرج، أي الانتقال من الترتيبات الأمنية إلى خلق وقائع سياسية جديدة، ثم محاولة تحويل هذه الوقائع إلى أمر دائم مع مرور الوقت.























































